محاضرات في القانون الاداري
ماهية القانون الإداري وعلاقته بفروع القانون الأخرى
تقديـــم :
تنقسم القواعد القانونية التي تنظم كل مجتمع إنساني إلى قواعد قانونية تنظم العلاقات التي تنشأ بين الأفراد، وقد أصطلح على تسميتها بالقانون الخاص ومن فروعه القانون المدني والقانون التجاري وقانون المرافعات أما النوع الأخر من القواعد فينظم العلاقات التي تنشأ بين الدول أو بين الدولة وهيأتها العامة من ناحية والأفراد من ناحية أخرى عندما تظهر الدولة بمظهر السلطة العامة .
وقد أصطلح على هذا النوع من القواعد القانونية بالقانون العام، ومن فروعه القانون الدولي العام والقانون الدستوري والقانون الإداري والقانون المالي.
ومن المعروف أن القانون الإداري فرع من فروع القانون العام الداخلي – تمييزاً له عن القانون العام الخارجي الذي ينظم العلاقات بين الدول والذي يهتم– بسلطات الإدارة العامة من ناحية تكوينها ونشاطها وضمان تحقيقها للمصلحة العامة من الامتيازات الاستثنائية التي تقررها قواعد القانون الإداري.
وعلى ذلك فإن القانون الإداري يختلف اختلافا جوهريا عن القانون الخاص لاختلاف العلاقات القانونية التي يحكمها، واختلاف الوسائل التي تستخدمها السلطات الإدارية في أدائها لوظيفتها من الوسائل قانونية ومادية وبشرية وقد ساهم التطور الكبير في الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وازدياد نشاط الدولة وتدخلها في هذه المجالات وعدم كفاءتها بدورها السابق في الحفاظ على الأمن الداخلي والخارجي، في تضاعف دور القانون الإداري ومساهمة في وضع الوسائل المناسبة لإدارة دفة نشاط السلطة العامة.
أولا : مفهوم القانون الإداري
درج أغلب الفقهاء على تعريف القانون الإداري بأنه ذلك الفرع من فروع القانون العام الداخلي الذي يتضمن القواعد القانونية التي تحكم السلطات الإدارية في الدولة من حيث تكوينها ونشاطها بوصفها سلطات عامة تملك حقوقاً وامتيازات استثنائية في علاقاتها بالأفراد.
بينما عرفه آخرون بأنه فرع من فروع القانون العام الذي يحكم الإدارة، أو قانون الإدارة العامة Pouvoir Administratif أو قانون السلطة الإدارية Administration Publique .
في حين عرفه البعض بأنه القانون الذي يتضمن القواعد التي تحكم إدارة الدولة من حيث تكوينها ونشاطها باعتبارها سلطة عامة.
ونجد هنا أنه من المناسب أن نبين أن القانون يقسم إلى قسمين رئيسيين، قانون عام وقانون خاص القانون العام، هو القانون الذي ينظم نشاط الدولة وسلطاتها العامة، ويحكم العلاقات القانونية التي تكون الدولة أو إحدى هيئاتها، العامة طرفاً فيها وتظهر فيها الدولة بوصفها سلطة عامة تتمتع بحقوق وامتيازات استثنائية لا مقابل لها في علاقات الأفراد.
أما القانون الخاص فينظم نشاط الأفراد ويحكم العلاقات بينهم أو بينهم وبين الدولة أو إحدى هيئاتها عندما تظهر بمظهر الأفراد العاديين أي ليس بوصفها سلطة عامة تتمتع بحقوق وامتيازات استثنائية .
ويشتمل كل قسم من هذين القسمين على عدة فروع فيشتمل القانون العام على القانون العام الخارجي ويتضمن القانون الدولي العام، والقانون العام الداخلي ويتضمن القانون الدستوري والقانون الإداري والقانون المالي.
في حين ينقسم القانون الخاص إلى القانون المدني والقانون التجاري وقانون المرافعات المدينة وغيرها من القوانين الأخرى.
وكما بينا فأن القانون الإداري هو فرع من فروع القانون العام الداخلي يحكم نشاط الإدارة العامة وهو موجود في كل دولة أياً كان مستواها وتطورها الحضاري .
وفي هذا المجال يسود مفهومان للإدارة العامة المفهوم العضوي أو الشكلي، والمفهوم الموضوعي أو الوظيفي .
المفهوم العضوي : يهتم بالتكوين الداخلي للإدارة العامة فيعرف الإدارة العامة بأنها السلطة الإدارية سواء المركزية منها أو اللامركزية، وجميع الهيئات التابعة لها.
بينما يهتم المفهوم الموضوعي: ، بالجانب الوظيفي فيعرف الإدارة العامة بأنها النشاط أو الوظيفة التي تتولاها الأجهزة الإدارية لإشباع الحاجات العامة.
وتبعاً لذلك فإن القانون الإداري بمعناه العضوي هو القانون الذي يحكم السلطة الإدارية أو الأجهزة الإدارية في الدولة بينما يمكننا أن نعرف القانون الإداري بمعناه الموضوعي بأنه القانون الذي يحكم النشاط أو الوظيفة التي تتولاها الأجهزة الإدارية لتحقيق المصلحة العامة.
وقد اختلف الفقه في ترجيح أحد المفهومين إلا أن الاتجاه الحديث يقوم على الجمع بينهما ويعرف القانون الإداري : بأنه " القانون الذي ينظم الأجهزة والهيئات الإدارية في الدولة، ويحكم النشاط أو الوظيفة التي تتولاها الأجهزة الإدارية لتحقيق المصلحة العامة ".
ثانيا : علاقة القانون الإداري بفروع القانون الأخرى
من المهم أن نبين استقلال القانون الإداري عن فروع القانون الأخرى من خلال بيان علاقته ذه القوانين وتحديد أوجه الاتفاق والاختلاف بينها ثم بيان علاقته بعلم الإدارة العامة.
1- العلاقة بين القانون الإداري والقانون الدستوري
أن أوضحنا القانون الإداري هو القانون الذي ينظم الأجهزة والهيئات الإدارية في الدولة , ويحكم النشاط أو الوظيفة التي تتولاها الأجهزة الإدارية لتحقيق المصلحة العامة.
أما القانون الدستوري : فهو القانون الأعلى والأساس في الدولة، والذي ينظم القواعد القانونية التي تتعلق بنظام الحكم في الدولة والسلطات العامة فيها والعلاقة بينهما وحقوق وحريات الأفراد، والضمانات التي تكفلها .
شاهد أيضًا على هذا فإن القانون الإداري وثيق الصلة بالقانون الدستوري، فإذا كان القانون الإداري يحكم السلطة الإدارية المركزية وغير المركزية، فإن القانون الدستوري هو القانون الأساسي والذي يسمو على كافة القوانين الأخرى التي يجب أن تتقيد به وتحترم نصوصه.
وبمعنى آخر يضع القانون الدستوري الأحكام الكلية أو العامة للسلطة التنفيذية، بينما يضع القانون الإداري القواعد التفصيلية التي تكفل تشغيل الأجهزة الإدارية وأدائها لوظيفتها فالقانون الإداري يكون بذلك امتداداً للقانون الدستوري.
وهو ما أبرزه الفقيه ( بارتلمي) في معرض تمييزه بين القانون الإداري والقانون الدستوري فقال أن القانون : " الدستوري يبين لنا كيف شيدت الآلة الحكومية، أما القانون الإداري فيبين كيف تسير هذه الآلة وكيف تقوم كل قطعة منها بوظيفتها ."
وبسبب تداخل كل من القانونين لتعلقهما بالشؤون الداخلية للمجتمع كونهما يمثلان فرعين من فروع القانون ،العام الداخلي نجد أن الفقه الإنجليزي لا يفرق بين القانون الدستوري والقانون الإداري ويدرس موضوعات القانونين معاً.
ومع أن الفقه الفرنسي في معظمه يميز بينهما فإن جانباً في الفقه ذهب إلى انتقاد محاولات التمييز بين القانون الإداري والقانون الدستوري ودعا إلى دراستهما معاً، وتزعم هذا الاتجاه الفقيه دوجي Dugui وجيز،Jeze Bonnaed وبوتار.
ويمكن إجمال أوجه التمييز بين القانونين بالآتي :
أ- من حيث الموضوع : يبحث القانون الدستوري في التنظيم السياسي للدولة من حيث تكوين سلطات الدولة الثلاث والعلاقة بينهما، في حين يبحث القانون الإداري في أعمال السلطة التنفيذية الإدارية منها دون الحكومية.
ب- من حيث تدرج القوانين : يحتل القانون الدستوري قمة الهرم القانوني في الدولة لأنه يقرر المبادئ الأساسية التي لا يمكن أن تتعداها القوانين الأخرى بما فيها القانون الإداري الذي يحكم بعض المسائل المتفرعة في المبادئ التي أقرها الدستور.
2- علاقة القانون الإداري بالقانون المالي:
القانون المالي هو مجموعة القواعد القانونية الخاصة بإدارة الأموال العامة في الدولة, وهو مكمل للقانون الإداري الذي يتعلق بتنظيم الأجهزة والهيئات الإدارية، ويوضح النظام القانوني الذي يحكم الأموال العامة والحماية القانونية المقررة لهذه الأموال , وكيفية الانتفاع بها، ومن موضوعات هذا القانون كل ما يدخل ضمن إعداد الميزانية العامة في الدولة وسياسة وأنواع الضرائب المفروضة والأشراف والرقابة عليها.
3 -علاقة القانون الإداري بعلم الإدارة العامة:
يتميز القانون الإداري عن علم الإدارة العامة من حيث زاوية اهتمام كل منهما فالقانون الإداري يبحث في التنظيم القانوني للجهاز الإداري ووظيفة كل عنصر في عناصره وعلاقته بالأفراد، بينما تبحث الإدارة العامة في النواحي الفنية والتنظيمية للجهاز الإداري ويمكن تعريفها بأنها ذلك العلم الذي يهتم بدراسة تنظيم وتوجيه وتنسيق نشاط المنظمة الإدارية لتحقيق أهدافها العامة على أكمل وجه.
وكما بينا تشتمل الإدارة العامة على مفهومين، مفهوم عضوي، يهتم بدراسة هيكل المنظمات الإدارية وفروعها، دون البحث في طبيعة النشاط الصادر منها، ومفهوم موضوعي يهتم بدراسة النشاط الإداري لهذه المنظمات بصرف النظر عن شكل المنظمة التي صدر النشاط عنها.
ويظهر الاختلاف بين الإدارة العامة والقانون الإداري من خلال طريقة دراسة الموضوع الإداري محل البحث فالقانون الإداري عندما يبحث في تعريف القرار الإداري فإنه يركز عليه كعمل قانوني صادر بالإرادة المنفردة للسلطة الإدارية ويتضمن أثراً قانونياً , كذلك يبحث في مشروعية القرار الإداري وشروط صحته ونفاذه وكيفية الطعن, بالإلغاء والتعويض ضد القرارات غير المشروعة.
في حين يعرف علم الإدارة العامة القرار الإداري في خلال البحث في الكيفية العلمية والواقعية التي صدر على أساسها القرار وعملية صنعه والمراحل المختلفة التي مرت بها تلك العملية واكتشاف العيوب والمشاكل التي قد تعيق هذه العملية واقتراح سبل إصلاحها .
وفي مجال الوظيفة العامة يبحث القانون الإداري في المركز القانوني للموظف العام وطبيعة علاقته بالدولة وشروط تعيينه وحقوقه وواجباته والعقوبات التأديبية التي يمكن إيقاعها عليه وضمانا , ته تجاهها ويبحث في طرق انتهاء علاقته ،الوظيفية وما إلى ذلك من أمور تنظمها في الغالب نصوص قانونية .
أما الإدارة العامة فتبحث الوظيفة العامة من ناحيتين، الناحية التنظيمية فيدرس علم الإدارة العامة طبيعة الوظيفة العامة وأسس ترتيب الوظائف العامة وتحديد اختصاص ومواصفات كل وظيفة .
والناحية البشرية حيث تبحث الإدارة العامة عن أفضل نظام إداري لتطبيقه على العاملين في المنظمة الإدارية، وتعرض لطرق اختيارهم، ووسائل رفع كفاءتهم وتدريبهم , والارتفاع بمستوى أدائهم، كما تهتم الإدارة العامة بالحوافز المادية والمعنوية لموظفي الدولة ودراسة مشاكلهم الوظيفية والنفسية، والبحث في سبل إصلاحها.
ومن الجدير بالذكر أن الإدارة العامة تخضع من حيث الأصل إلى قواعد متميزة عن قواعد القانون الخاص، إلا أنها قد تترل في أحيان أخرى عن استخدام هذه القواعد فتترل مترلة الأفراد، وتطبق قواعد لقانون خاص والقانون الإداري بمعناه الواسع يعني " قانون الإدارة" أياً كانت القواعد القانونية التي تحكمها قواعد القانون الخاص أم قواعد قانونية متميزة عنها "قواعد القانون العام ،" والقانون الإداري بهذا المعنى موجود في كل مجتمع سواء اخذ بمبدأ الازدواج القانون أم لم يأخذ.
أما القانون الإداري بمعناه الفني أو الضيق فينحصر دوره بما يطبق على الإدارة من قواعد قانونية متميزة ومغايرة لقواعد القانون الخاص ولا يوجد بهذاا المعنى إلا في الدول إلى تأخذ بنظام الازدواج القانوني .
ومع أوجه الاختلاف بين القانون الإداري والإدارة العامة فإن بينهما الكثير من أوجه التقارب من حيث أنها يتعلقان بالبحث في موضوع واحد هو الجهاز الإداري في الدولة وأن انحصرت دراسة كل منها بجانب من جوانبه، حتى أننا نجد أنه في الدول التي لا تأخذ بالازدواج القانوني "النظم الانجلوسكسونية " تشتمل دراسة الإدارة العامة على النواحي القانونية التي يحكمها من حيث الأصل القانون الإداري بالإضافة إلى دراسة الناحية الفنية والتنظيمية.
أقسام القانون وموقع القانون الإداري منها
لقد دأبت أغلب الدارسات الفقهية التقليدية على تقسيم القانون إلى قسمين: قانون عام وقانون خاص وٕإن كانت هناك محاولة من بعض الفقه على إتباع تقسيم مغاير (المطلب الأول)، إلا أنه وبغض النظر عن هذا الاختلاف لا بد من تحديد موقع القانون الإداري من هذه التقسيمات (المطلب الثاني).
المطلب الأول: أقسام القانون
طبقا للفقه التقليدي ينقسم القانون إلى قانون عام وقانون خاص (الفرع الأول)، إلا أن هناك فقها حديثا يرى بأن القواعد القانونية المشكلة للقانون على نوعين:
قواعد موضوعية وأخرى إجرائية (الفرع الثاني).
الفرع الأول: التقسيم التقليدي للقانون
دأب الاتجاه التقليدي منذ عهد الرومان إلى تقسيم القانون إلى قانون عام وقانون خاص، فهذا النوع من التقسيم يرجع تاريخه إلى القانون الروماني، الذي كان يهدف إلى وضع الحاكم في مركز متميز عن المحكومين، وذلك بمنحه سلطات خاصة لا يتمتع بها باقي الأفراد.
ولقد كان الرومان ينظرون إلى القانون العام على أنه قانون الدولة باعتبارها صاحبة السلطة العامة التي تسهر على تحقيق المصلحة العامة. أما القانون الخاص بالنسبة لهم فهو قانون المصالح الخاصة المتروكة للأفراد الذين يتمتعون بكامل الحرية فيما بينهم من أجل السعي لتحقيقها، وهذا تأكيدا للنزعة الفردية التي كانت سائدة في ذلك العهد.
على أن الإشكال المطروح، يتمثل في معرفة معيار التمييز بين القانون العام والقانون الخاص، والذي ليس بالأمر السهل خاصة وأن هناك آراء فقهية متضاربة ومختلفة فيما بينها بخصوص هذا الشأن.
وبالرغم من كثرة المعايير التي قيلت، إلا أنه يمكن التمييز بين ثلاثة منها ،وذلك على النحو التالي:
أولا: المعيار الشكلي كأساس للتفرقة بين القانون العام والقانون الخاص
يذهب هذا المعيار إلى أن أساس التفرقة بين القانون العام والقانون الخاص هو النظر إلى شكل وطبيعة القواعد القانونية، فإذا كانت القاعدة القانونية آمرة لا يجوز للأفراد الاتفاق على مخالفتها فالقانون هنا قانون عام، أما إذا كانت القاعدة القانونية مكملة تبيح للأفراد أن يتفقوا على مخالفتها بالخروج على أحكامها فالقانون هنا قانون خاص. وبذلك يصبح الخضوع للقاعدة القانونية مرادفا للقانون العام ،وتصبح الحرية مرادفة للقانون الخاص.
هذا المعيار على الرغم من أنه يصدق في العديد من الحالات، إلا أنه ليس صحيحا على إطلاقه، كما أنه ليس قاطعا في التمييز بين القانون العام والقانون الخاص. فالقانون الخاص يتضمن هو الآخر الكثير من القواعد الآمرة التي لا يمكن استبعادها بالاتفاق على مخالفتها، نظرا لاتصالها بالنظام العام والآداب العامة، كالقواعد المتعلقة بحالات الأشخاص، والقواعد المنظمة للحقوق العينية، فهذه القواعد تعتبر قواعد آمرة، ومع ذلك فإنها ليست من قواعد القانون العام.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الدولة لا تلجأ دائما إلى استعمال القواعد الآمرة ووسائل الإجبار والإكراه ،إذ أنها تتصرف في بعض الحالات كأحد الأفراد العاديين، كما أنها تلجأ في حالات أخرى إلى الوسائل الاتفاقية المبنية على عنصر الرضاء للتعبير عن إرادتها، بحيث تتعاقد مع الأفراد إذا ما كان التعاقد محققا للغرض الذي تنشده، وهذا ما يؤدي إلى تطبيق قواعد المساواة بينها وبين الأفراد.
وكنتيجة لهذا الانتقاد، فإن هذا المعيار تم هجره لأنه لا يصلح كأساس للتمييز والتفرقة بين القانون العام والقانون الخاص.
ثانيا: المعيار الموضوعي كأساس للتفرقة بين القانون العام والقانون الخاص
يتلخص هذا المعيار في إرجاع التفرقة بين القانون العام والقانون الخاص إلى اختلاف طبيعة المصلحة التي يهدف كل منهما إلى حمايتها. وتطبيقا لهذا المعيار فإن القانون العام يهدف إلى تحقيق مصلحة عامة، أما القانون الخاص فهو الذي يهدف إلى تحقيق مصلحة خاصة.
ما يعاب على هذا المعيار أنه غير دقيق، إذ يؤدي الأخذ به إلى الخلط بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، إذ لا وجود لحد فاصل بين المصلحتين، فكل القواعد القانونية قد وضعت من أجل حماية أو تحقيق المصلحة العامة سواء من قريب أو من بعيد، لذلك فإن هذا المعيار سوف ينتهي إلى الخلط التام بين القانون العام والقانون الخاص. فإذا كانت قواعد القانون العام تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، فإنها سوف تعود بالنفع على المصالح الخاصة. وفي المقابل إذا كانت قواعد القانون الخاص تهدف إلى تحقيق المصلحة الخاصة، فإنها سوف تؤدي بالتبعية إلى حماية أو تحقيق المصلحة العامة.
كما أنه لا يتصور أن يعمل القانون على تحقيق المصالح الفردية إذا كانت هذه الأخيرة متعارضة مع المصلحة العامة التي تهم الجماعة.
ثالثا: المعيار الشخصي كأساس للتفرقة بين القانون العام والقانون الخاص
يقوم هذا المعيار على أن أساس التمييز بين القانون العام والقانون الخاص هو صفة أشخاص العلاقة في كل من القانونين، فالحكام تسري عليهم قواعد القانون العام، أما المحكومين فيخضعون لقواعد القانون الخاص.
واستنادا على ذلك، فإن القانون العام يشمل القواعد القانونية التي تنظم الهيئات الحاكمة والعلاقة بين هذه الهيئات وكذلك العلاقة بين هذه الهيئات وبين المحكومين، أما القانون الخاص، فإنه يتضمن القواعد المتعلقة بحالة الأفراد والعلاقة بينهم.
ولقد أعاب بعض الفقه على هذا المعيار أنه ليس صحيحا في جميع الأحوال، ذلك أن الدولة كثيرا ما تبرم علاقات بينها وبين الأفراد، وتتجرد فيها من امتيازات السلطة العامة، بحيث تظهر كفرد عادي، وفي هذه الحالات لا يمكن إخضاع مثل هذه العلاقات للقانون العام.
إلا أنه وبالرغم من هذا الانتقاد يرى ذات الفقه بأن هذا المعيار هو الأقرب إلى الصواب، بشرط تكملته بالمعيار الشكلي، وذلك لتلافي العيوب الموجودة فيه.
وعلى هذا، فإن معيار التفرقة بين القانون العام والقانون الخاص يقوم على أساس الصفة التي تتدخل بها الدولة، أو أحد فروعها، طرفا في العلاقة القانونية، وليس مجرد وجود الدولة، أو أحد فروعها، طرفا في هذه العلاقة.
ومن خلال ما سبق، يمكن القول بأن القانون العام هو القانون الذي ينظم العلاقات التي تشارك فيها الدولة باعتبارها صاحبة السلطة العامة، أما القانون الخاص فهو القانون الذي ينظم علاقات الأفراد بعضهم ببعض أو علاقات الأفراد بالدولة وسائر الهيئات العامة عندما لا تتدخل باعتبارها صاحبة السلطة العامة.
الفرع الثاني: التقسيم الحديث للقانون
بالرغم من أن غالبية الفقه ترى بأن تقسيم القانون إلى قانون عام وقانون خاص هو التقسيم الرئيسي، إلا أن هناك اتجاه فقهي حديث يرى أنصاره بأن القانون ينقسم إلى قانون موضوعي وآخر إجرائي أو شكلي. فالقانون الموضوعي هو الذي يبين الحقوق والواجبات المختلفة. وأما القانون الإجرائي أو الشكلي فهو الذي يبين الإجراءات واجبة الإتباع والكفيلة بوضع القانون الموضوعي موضع التنفيذ.
ويندرج ضمن القانون الإجرائي قانون الإجراءات المدنية والإدارية، وقانون الإجراءات الجزائية، وقانون الإجراءات الجبائية، والقانون الدولي الخاص.
أما القانون الموضوعي، حسب هذا الاتجاه، فينقسم إلى قانون عام وقانون خاص. وعلى ذلك فإن تقسيم القانون إلى قانون عام وقانون خاص هو تقسيم ثانوي وتكميلي وتابع للتقسيم الرئيسي الذي يقسم القانون إلى قانون موضوعي وقانون إجرائي.
ويندرج ضمن طائفة القانون الخاص، القانون المدني، والقانون التجاري، وقانون شؤون الأسرة، وقانون العمل.أما القانون العام فإنه ينقسم بدوره إلى قانون عام خارجي وقانون عام داخلي.
ويتمثل القانون العام الخارجي في القانون الدولي العام. أما القانون العام الداخلي فإنه يشمل القانون الدستوري، والقانون المالي، وقانون العقوبات، وأخيرا القانون الإداري.
ويبدو أن هذا التقسيم منطقي لحد ما، وذلك لأن القانون الموضوعي هو الذي ينقسم في الحقيقة إلى قانون عام وقانون خاص، أما القانون الإجرائي فلا يعتبر من القانون العام أو القانون الخاص، لأنه يضع إجراءات لخدمة القانون الموضوعي، أيا كان نوعه عاما أو خاصا. ومما يؤكد صحة هذا الرأي هو أن أغلبية الفقهاء يترددون فعلا في تصنيف فروع القانون الإجرائي في أحد قسمي القانون العام أو الخاص، ويعتبرون أنها ذات طبيعة مختلفة ومختلطة، مما يدل على أنها غير خاضعة للتقسيم إلى عام وخاص.
إلا أنه مهما اختلفت الآراء الفقهية حول الأخذ بالتقسيم التقليدي أو التقسيم الحديث للقانون، فإن هذا لا ينفي أن تقسيم هذا الأخير إلى عام وخاص معترف به لدى الفريقين، سواء منهما من يراه رئيسيا ومن ي رآه تكميليا.
المطلب الثاني: فروع القانون العام وموقع القانون الإداري منها
لقد سبقت الإشارة إلى أن القانون العام يتفرع إلى فرعين أحدهما خارجي وآخر داخلي (الفرع الأول)، ومن ثم وجب البحث عن موقع القانون الإداري من كليهما (الفرع الثاني).
الفرع الأول: فروع القانون العام
تنقسم العلاقات التي تكون الدولة طرفا فيها، بوصفها صاحبة السيادة إلى نوعين: علاقات الدولة بغيرها من الدول والهيئات الدولية، وعلاقتها بالأشخاص العاديين داخل إقليمها.
واستنادا على ذلك، فإن القانون العام يتفرع إلى قانون عام خارجي (أولا)، وقانون عام داخلي (ثانيا).
أولا: القانون العام الخارجي
يعرّف القانون العام الخارجي أو ما يسمى بالقانون الدولي العام على أنه: "...مجموعة القواعد القانونية التي تنظم علاقات الدول فيما بينها في أوقات السلم والحرب والحياد، كما يشمل أيضا القواعد المتعلقة بالمنظمات الدولية المعترف بها...".
وانطلاقا من ذلك، فإن القانون العام الخارجي يبين أشخاص المجتمع الدولي، ويعين الشروط الواجب توافرها حتى تعتبر الدولة شخصا دوليا، كما أنه ينظم المعاهدات والاتفاقيات التي تبرمها الدول فيما بينها، ويحدد حقوق وواجبات كل دولة إزاء باقي الدول.
وبالإضافة إلى ذلك، يبين القانون العام الخارجي في حالة السلم طرق تمثيل الدول دبلوماسيا وسياسيا لدى بعضها البعض، وما يجب إتباعه من وسائل لفض النزاعات بالطرق السلمية.
أما في حالة الحرب، فيتناول القانون العام الخارجي تنظيم الإجراءات الواجب تطبيقها، كإعلان الحروب وتحديد وسائلها المشروعة وغير المشروعة، وكيفية إنهائها، كما أنه يحدد طريقة معاملة الأسرى والجرحى.
كما يشمل القانون العام الخارجي، الأحكام المتعلقة بالمنظمات الدولية التي ظهرت عقب الحرب العالمية الثانية، كهيئة الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، إلى غير ذلك من المنظمات.
ثانيا: القانون العام الداخلي
يقصد بالقانون العام الداخلي "... مجموعة القواعد القانونية التي تحدد كيان الدولة، وتنظم العلاقات التي تقوم بين الدولة أو احد فروعها حين تعمل بصفتها صاحبة السيادة أو السلطة العامة وبين الأشخاص الطبيعية أو الأشخاص المعنوية الخاصة، أو العلاقات التي تقوم بين الدولة وأحد فروعها، أو فيما بين هذه الفروع...".
وبمفهوم آخر يعرف القانون العام الداخلي على أنه: "... مجموعة القواعد القانونية التي تحكم أو تنظم شؤون الدولة العامة الداخلية، ويطبق داخل إقليم الدولة، ولا يتعدى سلطانه حدودها...".
الفرع الثاني: القانون الإداري فرع من فروع القانون العام الداخلي
انطلاقا مما تمت الإشارة إليه أعلاه، فإن القانون العام هو مجموعة القواعد التي تنظم العلاقات التي تظهر فيها الدولة باعتبارها صاحبة السلطة العامة. وهو بذلك يتفرع إلى قانون عام خارجي (القانون الدولي العام) وآخر داخلي يشتمل على كل من القانون الدستوري، والقانون المالي، وقانون العقوبات وأخيرا القانون الإداري محل الدراسة في هذا المقياس.
فالقانون الإداري ينتمي إلى طائفة القانون العام الداخلي، لأنه - كما سيتوضّح لاحقا - عبارة عن مجموعة من القواعد القانونية التي تحكم "... الأشخاص الاعتبارية العامة، وينظم نشاطها بما ينطوي عليه من امتيازات، وما يرد عليه من قيود غير مألوفة في القانون الخاص، ويحدد الإجراءات التي تتبع قضائيا للفصل فيما يثور عنه من أقضية ومنازعات..."
نشأة القانون الإداري وتطوره
تعد فرنسا مهد القانون الإداري ومنها انتشر إلى الدول الأخرى , ويرجع الفضل في ظهور هذا القانون إلى عوامل تاريخية تأتي في مقدمتها الأفكار التي جاءت بها الثورة الفرنسية عام , 1789م التي قامت على أساس الفصل بين السلطات، ومن مقتضياته منع المحاكم القضائية القائمة في ذلك الوقت من الفصل في المنازعات الإدارية للحفاظ على استقلال الإدارة تجاه السلطة القضائية .
وأدى هذا الاتجاه إلى وجود نظام القضاء المزدوج الذي كان مهداً لنشؤ الازدواج القانوني وظهور القانون الإداري.
المطلب الأول : القانون الإداري في فرنسا
كانت سلطات الحكم قبل الثورة الفرنسية مركزة في يد الملك حيث ساد نظام الملكية المطلقة ولم تكن الدولة تخضع للمساءلة أو الرقابة أمام القضاء بواسطة دعاوى الأفراد , وهي إن تعاملت مع الأفراد خضعت معاملا للقانون المدني وفي هذه الفترة كانت توجد محاكم قضائية تدعى البرلمانات Parlementsأنشئت لتكون ممثلة للملك في وظائفه القضائية وكانت الدعاوى تستأنف أمامها ما لم سند الملك ذلك الاختصاص إلى جهة أخرى كما وجدت محاكم مختصة ببعض المنازعات الإدارية.
وقد كانت البرلمانات تمارس سيطرة رجعية على الإدارة وتتدخل في شؤونها وتعارض وتعرقل كل حركة إصلاحية مما حدى برجال الثورة الفرنسية إلى منع المحاكم القضائية القائمة في ذلك الوقت من الفصل في المنازعات الإدارية للحفاظ على استقلال الإدارة تجاه السلطة القضائية , من خلال تبنيهم لمبدأ الفصل بين السلطات.
أولا : مرحلة الإدارة القاضية : Administration Juge
تأكيداً لاتجاه الثورة الفرنسية في الفصل بين السلطات صدر قانون 16-24 أغسطس 1790 الذي نص , على إلغاء المحاكم القضائية ( البرلمانات ) وإنشاء ما يسمى بالإدارة القاضية أو الوزير القاضي كمرحلة أولى قبل إنشاء مجلس الدولة الفرنسي , ومنع القضاء العادي من النظر في المنازعات التي تكون الإدارة طرفاً فيها و أصبحت الهيئات الإدارية هي صاحبة الاختصاص في الفصل بهذه المنازعات.
وفي مرحلة الإدارة القاضية كان على الأفراد اللجوء إلى الإدارة نفسها للتظلم إليها وتقديم الشكوى فكانت الإدارة هي الخصم والحكم في الوقت ذاته وكان هذا الأمر مقبولاً إلى حد ما في ذلك الوقت بسبب السمعة السيئة لقضاء البرلمانات التعسفية.
ثانيا : إنشاء مجلس الدولة الفرنسي
بنشوء مجلس الدولة في 12 ديسمبر 1797 في عهد نابليون بونابرت وضعت اللبنة الأولى للقضاء الإداري الفرنسي مع أن اختصاص المجلس كان أو الأمر استشارياً يتطلب تصديق القنصل.
وفي الوقت ذاته تم إنشاء محاكم أو مجالس الأقاليم Les Conseils de Préfecture التي كانت تصدر أحكاماً لا تحتاج إلى تصديق سلطة إدارية عليا ، إلا أن أحكامها تستأنف أمام مجلس الدولة الذي كانت أحكامه تعرض على القنصل.
فقد كان عمل المجلس يقتصر على فحص المنازعات الإدارية وإعداد مشروعات الأحكام , فلم يكن يملك سلطة القضاء إصدار الأحكام ولذا سمى قضاؤه في هذه المرحلة " القضاء المقيد" أو المحجوز Justice Retenue وقد استمرت هذه المرحلة إلى عام 1872 حيث أصبح قضاؤه مفوضا.
ثالثا : مرحلة القضاء المفوض Justice délégúee
في 24مايو 1872 صدر قانون منح مجلس الدولة الفرنسي اختصاص البت نهائيا في المنازعات الإدارية دون تعقب جهة أخرى.
ومع أن هذا القانون خول المجلس سلطة البت النهائي في المنازعات الإدارية فإنه أبقي على اختصاص الإدارة القاضية فلا يملك الأفراد اللجوء إلى مجلس الدولة إلا في الأحوال التي ينص عليها القانون وفيما عدا ذلك تختص به الإدارة القاضية مما أوجد ازدواجاً قضائياً , واستمر هذا الوضع حتى تاريخ 13ديسمبر 1889عندما قبل مجلس الدولة دعوى قدمها أحد الأفراد مباشرة من دون المرور على الإدارة في قضية Cadot وترتب على حكمه فيها أن أصبح مجلس الدولة صاحب الاختصاص العام في المنازعات الإدارية وبسبب تراكم العديد من القضايا أمام مجلس الدولة حدد المشرع اختصاص مجلس الدولة على سبيل الحصر بموجب المرسوم الصادر في 30سبتمبر1953 وأصبحت المحاكم الإدارية التي كانت تسمى مجالس الأقاليم صاحبة الاختصاص العام في المنازعات الإدارية.
ثم أعقب ذلك بعض المراسيم التي تضمنت الإصلاحات منها المراسيم الأربعة الصادرة في 30يوليو 1963 المتعلقة بتحديد النظام الأساسي للعاملين في المجلس وتنظيمه الداخلي ونشاطه الداخلي , وتم تعديل هذا التنظيم بثلاثة مراسيم أخرى في 26أغسطس 1975 وبمرسوم في 15 يناير 1980 وآخر في 16ديسمبر 1987 لإصلاح القضاء الإداري أنشأ بموجبه المحاكم الإدارية الاستئنافية و وسع نطاق الطعن بالنقض أمام مجلس الدولة.
وقد أصبح مجلس الدولة خلال تاريخه الطويل قاضي المنازعات الإدارية دون منازع, وساهم في إرساء مبادئ القانون الإداري وقواعده المتميزة عن قواعد القانون الخاص وابتدع الحلول المناسبة لمقتضيات حسن سير الإدارة العامة وأكد على وجود واستقلال القانون الإداري.
المطلب الثاني : نشوء القانون الإداري في مصر
قبل نشوء مجلس الدولة في مصر عام 1946 لم تعرف مصر القضاء الإداري , وقد كانت المحاكم المختلطة والأهلية السائدة قبل هذا التاريخ في النظام القضائي المصري تطبق بعض القوانين على المنازعات بين الأفراد أو بينهم وبين الإدارة ولم يكن من بينها القانون الإداري .
وقد ذهب جانب من الفقه الإداري المصري إلى أن أساس القانون الإداري ومبادئه قد بدأت تظهر من خلال أحكام المحاكم المختلطة والمحاكم الأهلية، بينما خالف جانب آخر منهم, وذهب إلى أن مبادئ القانون الإداري لم تنشأ حقيقة إلا من خلال أحكام مجلس الدولة بعد أن إنشاؤه عام
وكان مجلس الدولة وقت إنشاؤه يتمتع بصلاحيات محددة وبمحكمة قضاء إداري واحدة ثم ما لبث أن توسعت اختصاصاته إذ صدر القانون رقم 09 لسنة 1949 الذي وسع اختصاصاته ثم أنشأت المحاكم الإدارية بالقانون رقم 147 لسنة 1954 وبعد ذلك في عام 1955 تم إنشاء المحكمة الإدارية العليا لتكون في قمة القسم القضائي بمجلس الدول.
ثم صدر القانون رقم 55 لسنة 1959 بشأن تنظيم مجلس الدولة , وقد مر مجلس الدولة بتطورات عدة حتى صدر القانون الحالي رقم 47 لسنة 1972 وتعديلاته.
ووفقاً لهذا القانون يعد مجلس الدولة هيئة قضائية ملحقة بوزير العدل , ويتكون من رئيس وعدد من نواب الرئيس والمستشارين المساعدين والنواب والمندوبين ومن مندوبين مساعدين.
هذا ولم تؤثر تبعية المجلس لوزير العدل في استقلاله في ممارسة وظيفته إذ لا تتعدى هذه التبعية منح الوزير الأشراف الإداري وضمان حسن سير العمل الوظيفي , وهو ما أكدته المادة الأولى من القانون رقم 47 لسنة 1972 " مجلس الدولة هيئة قضائية مستقلة " .
ولم يولد المجلس قوياً منذ نشأته فقد كان القضاء الإداري صاحب الولاية العامة في نظر المنازعات الإدارية وكانت اختصاصات مجلس الدولة محددة على سبيل الحصر في القوانين التي سبقت القانون الحالي.
ففي ظل القانون رقم 112 لسنة 1946 والمعدل بالقانون رقم 09 لسنة 1949 كان القضاء العادي ينفرد بنظر دعاوى مسؤولية الإدارة عن أعمالها المادية ويختص بالاشتراك مع المجلس في نظر طلبات التعويض عن القرارات الإدارية ويترتب على رفع دعوى التعويض أمام المحاكم العادية وإذا ما رفعت دعوى الإلغاء أو التعويض إلى مجلس الدولة عدم جواز رفع دعوى التعويض أمام المحاكم العادية فإنه يمتنع رفعها أمام مجلس الدولة.
كما كانت المحاكم العادية تنفرد بنظر المنازعات الخاصة بالعقود الإدارية حتى صدور القانون رقم 09 لسنة 1949الذي منح المجلس النظر في منازعات عقود الالتزام والأشغال العامة وعقود التوريد بالاشتراك مع المحاكم العادية.
وفي ظل القانونين 165 لسنة 1955 و 55 لسنة 1959 استمرت المحاكم العادية تنفرد بالنظر في دعوى مسؤولية الإدارة عن أعمالها المادية في الوقت الذي استقل به مجلس الدولة بنظر المنازعات المتعلقة بالتعويض عن القرارات الإدارية والعقود الإدارية .
وبصدور القانون 47 لسنة 1972 أصبح مجلس الدولة صاحب الولاية العامة بالنظر في المنازعات الإدارية ما لم ينص القانون على خلاف ذلك ، فقد ورد في المادة 172 من القانون رقم 47 لسنة " 1972 مجلس الدولة هيئة قضائية مستقلة ويختص بالفصل في المنازعات الإدارية، وفي الدعاوى التأديبية ويحدد اختصاصاته الأخرى ".
وبذلك أصبح مجلس الدولة قاضي القانون العام المختص بالفصل في المنازعات الإدارية والتأديبية وساهم بإرساء مبادئ القانون الإداري، وكان له دور رائد في حماية حقوق الأفراد وحرياتهم من تعسف الإدارة وإلغاء قرارتها المعيبة و تعويض عنها.
مفهوم القانون الإداري
إن التعامل مع القانون الإداري يظهره لأول وهلة وكأنه ذلك الفرع من فروع القانون العام الذي يحكم وينظم الإدارة العامة، إلا أن فهم هذه الصيغة التقريبية أو الأولية، يحتاج إلى ضبط دقيق للمفاهيم التي تتطلب في البداية محاولة وضع تعريف للإدارة العامة (المطلب الأول)، وتنتهي بتحليل العلاقة القائمة بينها وبين القانون (المطلب الثاني).
المطلب الأول: ماهية الإدارة العامة
يجمع أغلب فقهاء القانون الإداري على أن كلمة إدارة (Administration) تدل في التعبير الشائع على معنيين مختلفين، أحدهما موضوعي أو مادي، والثاني عضوي.
فوفقا للمعنى المادي، يقصد بالإدارة النشاط (L’activité). فإدارة شيء معناها القيام بتسييره. لذلك يقال مثلا: "إنها إدارة حكيمة للمؤسسة"، ويقصد بذلك التسيير الحسن لشؤونها.
ووفقا للمعنى العضوي يقصد بالإدارة تلك المنظمة، أو الهيئة، أو العضو الذي يمارس النشاط. لذلك يقال مثلا: "دخل فلان إلى إدارة الضرائب ". ويقصد بذلك المنظمة وليس النشاط.
وكلمة إدارة بمعنييها السابقين (المادي والعضوي) قد تدل على إدارة خاصة (مشروع خاص) أو إدارة عامة (مشروع عام). إلا أن الشائع في لغة القانون هو أنه عندما تستعمل كلمة إدارة لوحدها فإن ذلك يفيد معنى الإدارة العامة باعتبارها مجموعة من الهيئات التي تقوم بالسهر على تحقيق وتنفيذ الأعباء العامة.
وعلى هذا يجب التمييز بين الإدارة العامة (النشاط الإداري) والإدارة الخاصة (النشاط الفردي)، (الفرع الأول). ثم بين الإدارة العامة ومختلف النشاطات العامة الأخرى في الدولة، والمتمثلة في التشريع، والقضاء (الفرع الثاني).
الفرع الأول:الفرق بين الإدارة العامة ونشاط الخواص
تجدر الإشارة بداية إلى أن كل مجهود بشري يسعى إلى تحقيق هدف معين، مستخدما في ذلك جملة من الوسائل، وهنا يكمن الفرق بين الإدارة العامة ونشاط الخواص، ذلك أن هدف الإدارة هو تحقيق المصلحة العامة (أولا)، كما أنه ولبلوغ ذلك تستعمل امتيازات السلطة العامة (ثانيا).
أولا: إن هدف الإدارة العامة هو المصلحة العامة
إن نشاط الخواص نابع عن تصرف الأفراد بغرض تحقيق مصالحهم الخاصة، أي البحث عن الربح والنجاح في تأمين احتياجاتهم الذاتية، في حين تهدف الإدارة العامة إلى تحقيق المصلحة العامة، أي أنها لا تسعى إلى تحقيق المصالح المادية الخاصة، التي يتميز بها نشاط الخواص. لذلك يبقى تأمين الصالح العام هو الهدف الأساسي للإدارة. بينما يسعى النشاط الفردي إلى تحقيق المصلحة الخاصة (الربح) بالدرجة الأولى.
ثانيا: إن وسيلة الإدارة العامة هي السلطة العامة
إن اختلاف الأهداف يؤدي إلى اختلاف الوسائل المستعملة، وعليه فإن العلاقة بين الخواص أساسها المساواة القانونية، أي تساوي الإرادات. فلا تعلو إرادة خاصة على إرادة خاصة أخرى، ولا يجوز لأي إرادة خاصة أن ترغم إرادة خاصة أخرى على قبول أو إتباع إجراءات رغما عنها، لذلك فإن الذي ينظم العلاقة بين الخواص هو العقد، أي توافق الإرادات، طبقا لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين. بينما تسعى الإدارة إلى تحقيق المصلحة العامة، ولن يتأتى ذلك إذا كانت الإدارة على قدم المساواة مع الأفراد. فإذا رأت الإدارة أن هناك عدم توافق بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، جاز لها أن تتدخل لتأمين المصلحة العامة عن طريق استعمالها لوسائل السلطة العامة أي امتيازات السلطة العامة.
غير أن استعمال الإدارة لهذه الامتيازات ليس ضروريا في كل الحالات، إذ بإمكان الإدارة أن تلجأ إلى التعاقد مع الخواص، إذا ما تلاقت إرادتها مع إرادة الخواص. ومع ذلك فإن التصرف المنفرد من جانب الإدارة هو الصفة المميزة والغالبة لنشاط الإدارة.
الفرع الثاني: الفرق بين الإدارة العامة وباقي النشاطات العامة في الدولة
إن توضيح الفرق بين الإدارة العامة ومختلف النشاطات العامة الأخرى في الدولة، أو بين الإدارة ومختلف الهيئات العامة الأخرى في الدولة، يتطلب تحليل المعنيين المختلفين لكلمة إدارة، أي من الناحية المادية التي تفيد النشاط (أولا)، ثم من الناحية العضوية التي تفيد معنى الهيئات العامة التي تقوم بذلك النشاط (ثانيا)، ذلك أن العادة عندما تستعمل كلمة إدارة عامة في القانون الإداري، فإن ذلك ينصرف إلى السلطة. ولكن معنى الإدارة قد ينصرف إلى العمل التشريعي، أو إلى العمل القضائي. فما هو الفرق بين العمل الإداري والعمل التشريعي؟ وما هو الفرق بين العمل الإداري والعمل القضائي؟
أولا: الفرق من الناحية المادية
للوقوف على الفرق بين الإدارة العامة وباقي الهيئات العامة الأخرى في الدولة وفقا للمعنى المادي، يجب التمييز بين العمل الإداري والعملي التشريعي (1) ، ثم بين العمل الإداري والعمل القضائي (2).
1) تمييز العمل الإداري عن العمل التشريعي
إن القيام بعملية التشريع معناها القيام بوضع قواعد عامة ومجردة من أجل تنظيم مجموعة من النشاطات العامة أو الخاصة. إن مهمة المشرع تنتهي بعد وضع القاعدة القانونية، أي عندما تكون القاعدة التي وضعها في غاية الإتقان من الناحية القانونية. أما الإدارة، فإنها تتكفل بعملية التسيير، ذلك أن القيام بهذه العملية (Administrer) تعني إتمام مجموعة من الأعمال- بمرور الزمن- التي تتطلب إتباع هدف معين. ومن هنا يمكن القول بأن العمل الإداري يبدأ بعد وضع القاعدة القانونية، كما أن عمل الإدارة هو عمل مستمر وملموس. وهاتان الصفتان في العمل الإداري هما اللتان تميزانه عن العمل التشريعي.
2) تمييز العمل الإداري عن العمل القضائي
إن مهمة القضاء تتمثل في الفصل في المنازعات المعروضة عليه. والقاضي لا يفصل في المنازعات إلا بناء على طلب، كما أن مهمته تنتهي عندما ينطق بالحكم، ويبين القاعدة واجبة التطبيق على النزاع، والنتائج التي تترتب على ذلك.
أما الإدارة، وٕإن كانت هي الأخرى خاضعة للقانون عند القيام بأعمالها، فإنها مع ذلك تتدخل أو تتصرف من تلقاء نفسها دون اشتراط قيام نزاع. ومن ناحية أخرى فإن القانون بالنسبة للإدارة عبارة عن حد وليس هدف، ذلك أنها عندما تتصرف في إطار القانون وحدوده، فإنها لا تهدف إلى احترام القانون - كما يفعل القاضي - وٕإنما من أجل إشباع الحاجيات العامة للمواطنين.
ثانيا: الفرق من الناحية العضوية
قد يكون لبعض الهيئات العامة داخل الدولة نصيب في الوظيفة الإدارية، ومع ذلك فإن مشاركتها في تلك الوظيفة تختلف باختلاف الأنظمة السياسية. والخاصية الأساسية التي يمكن ملاحظتها في هذا المجال تتمثل في التمييز بين هيئات التحضير والتنفيذ صاحبة العمل الإداري البحت، والمتكونة عادة من اختصاصيين في هذا الميدان، وبين هيئات الإدارة العليا والمراقبة، والتي يجمع أعضائها بين الوظيفة الإدارية، ووظائف أخرى عامة. إن اختصاص هؤلاء الأشخاص ونظامهم يحدده الدستور، كما أن تلك الاختصاصات تختلف باختلاف الدساتير.
فالشيء الملاحظ في جميع الأنظمة الدستورية، أنه يوجد على رأس الإدارة هيئات ذات طابع دستوري وأصل سياسي. إن هذه الهيئات هي التي تتنوع بتنوع الطابع الدستوري والأصل السياسي. فمثلا في نظام حكومة الجمعية، الذي يتنكر لمبدأ الفصل بين السلطات، تكون الهيئات الإدارية خاضعة للجمعية (البرلمان) التي تمارس – هي بنفسها- وظيفة الإدارة العليا (La direction supreme). فالسلطة التنفيذية في هذا النظام لا تعتبر شيئا مستقلا ومتميزا عن السلطة التشريعية، لذلك فإن المهيمن الحقيقي في هذا النظام وصاحب الكفة الراجحة هو البرلمان، وهو الذي يتولى اختيار من يقومون بأعمال السلطة التنفيذية.
أما في الأنظمة السياسية التي تعتمد على مبدأ الفصل المرن بين السلطات، فإن السلطة التنفيذية، ممثلة في الحكومة هي التي تكون على رأس الإدارة. ومع ذلك فإن البرلمان يلعب دوار هاما في الوظيفة الإدارية، لأن عمله التشريعي يمتد ليشمل القوانين ذات الطبيعة الإدارية، والتي تبين هياكل الإدارة وأهدافها ووسائلها. كما أن للبرلمان دور فيما يتعلق بالموافقة على الميزانية مما يجعله في موقف المؤثر على النشاط الإداري.
أما بالنسبة للقاضي، فإنه يتدخل بصفة غير مباشرة في الإدارة، وذلك عن طريق الفصل في النزاعات التي تعرض عليه، والتي تكون الإدارة طرفا فيها.
وبالإضافة إلى كل هذا، واستنادا على المعيار العضوي دائما، يمكن القول بأن العمل الإداري متصل كأصل بالإدارة العامة، إلا أنه وكاستثناء - في حال إعمال المعيار الموضوعي أو المادي - يمكن للسلطتين التشريعية والقضائية أن تقوما بأعمال إدارية إذا تعلق الأمر بحسن سير مرفقيهما، لأنه وبالرغم من تميزهما عن السلطة التنفيذية، إلا أنهما من الناحية الهيكلية يحتاجان إلى تنظيم وتسيير عمل الموظفين التابعين لهما.
من خلال كل ما سبق، يمكن القول بأن الإدارة العامة تظهر باعتبارها نشاط (المعيار المادي) تقوم به الهيئات العامة (المعيار العضوي)، مستعملة إذا تطلب منها الأمر وسائل وامتيازات السلطة العامة، وذلك بهدف تلبية حاجات ذات نفع عام.
المطلب الثاني: علاقة الإدارة بالقانون
تجدر الإشارة في البداية إلى أن هناك خلاف بين الدول حول التصور العام للقانون الإداري، ذلك أنها تختلف حول تحديد السبل الكفيلة لحمل الإدارة – باعتبارها سلطة عامة - على احترام القانون، وبالتالي فرض الرقابة القضائية على أعمالها.
فبالرغم من خضوع النشاط الإداري للقانون ولرقابة القضاء في معظم الدول، إلا أن الإشكال المطروح يتعلق بنوع القاعدة القانونية المطبقة على هذا النشاط، فهل تخضع الإدارة العامة لنفس القواعد القانونية المطبقة على الأفراد؟ أم أنها تخضع لقواعد خاصة بها؟ هذا من جهة. ومن جهة أخرى هل تخضع الإدارة العامة لنفس الجهة القضائية الفاصلة في منازعات الأفراد؟ أم أن لها قضاء مختص للنظر في المنازعات التي تكون طرفا فيها؟
إن لهذين التساؤلين إجابتين مختلفتين: فإما أن تخضع الإدارة لنفس القانون ،ولنفس القاضي الذي يخضع له الأفراد في علاقاتهم المختلفة، أي للشريعة العامة (Le droit commun)، وللنظام الموحد للمحاكم القضائية. أو أن تخضع الإدارة لقانون متميز عن القانون الذي يخضع له الأفراد، وبالتالي لمحاكم خاصة تختص فقط بالمنازعات التي تكون الإدارة العامة طرفا فيها.
والحقيقة أن هذين الحلين هما الغالبين، كما أنهما يجدان تطبيقات في النظم الإدراية الغربية، والمعروفين تحت تسمية النظام الأنجلوساكسوني (الفرع الأول)، والنظام الفرنسي (الفرع ثاني).
الفرع الأول: النظام الأنجلوسكسوني
يقال أن الدول الأنجلوساكسونية ليس لها قانون إداري. فهل معنى ذلك أن الإدارة هناك لا تخضع للقانون؟ إن الإجابة على هذا السؤال هي النفي طبعا. فخوفا من طغيان الإدارة وتعسفها في تهديد حقوق وحريات الأفراد، لم يقبل الأنجلوساكونيين فكرة وجود قواعد قانونية متميزة عن قواعد القانون الخاص لتطبيقها على الإدارة، وٕإنما اعتبروا أنه وتحقيقا للحرية الفردية التي ينادي بها الفكر الليبرالي ،لا بد أن يخضع الأعوان العموميون لنفس القانون الذي يخضع له كل المواطنين، وهنا فقط – حسب أريهم - يسود " مبدأ سيادة القانون فوق الجميع بدون استثناء أو تمييز".
وٕإذا كان المبدأ الذي سار عليه القضاء الإنجليزي هو عدم مسؤولية الإدارة عن أخطاء موظفيها، وما تسببه هذه الأخطاء من أضرار للغير، فإن ذلك لم يكن إلا انعكاسا لمبدأ دستوري مفاده "أن الملك لا يخطئ" المنبثق عن القاعدة الدستورية المعروفة في النظام البرلماني الإنجليزي، والتي مؤداها أن "الملك يسود ولا يحكم" ولذلك فلا يمكن أن يخطئ. ومن ثم فلا يجوز أن تتقرر مسؤولية الدولة عن أعمال موظفيها، إلا إذا ارتكب هؤلاء الموظفين أخطاء أضرت بالغير.
وتأسيسا على ما سبق لم يأخذ الأنجلوساكسونيين بنظام القضاء المزدوج الذي تأخذ به فرنسا، بل أخذوا بنظام القضاء الموحد الذي يقضي بتخصيص جهة القضاء العادي للفصل في جميع المنازعات الإدارية وغير الإدارية.
وتبعا لذلك يتضح بأن الدول الأنجلوساكسونية أخذت بالمفهوم الواسع للقانون الإداري والذي "... يشمل جميع القواعد التي تطبق على الإدارة دون النظر إلى اعتبارها قواعد مدنية أم قواعد استثنائية...". ومن ثم فإن القانون الإداري في النظام الأنجلوساكسوني عبارة عن "... قانون الإدارة الذي يبين تنظيم وسلطات وواجبات الهيئات الإدارية...".
وعليه، فإن النظام الأنجلوساكسوني أو ما يعرف كذلك بالنظام القانوني الموحد، يعني خضوع كافة العلاقات والروابط القانونية في الدولة لأحكام وقواعد قانونية واحدة كأصل عام، والذي قد ترد عليه بعض الاستثناءات تتعلق بمسائل تخص السلطة الإدارية في الدولة، فتحكمها قواعد أو مبادئ مختلفة، ولكن دون أن تمس هذه الاستثناءات بالأصل العام وهو خضوع تلك السلطة الإدارية لذات القوانين التي يخضع لها الأفراد في الدولة.
الفرع الثاني: النظام الفرنسي
على عكس الدول الأنجلوساكسونية التي أخذت بالمفهوم الواسع للقانون الإداري، أخذت فرنسا والدول السائرة في فلكها بالمفهوم الفني الضيق لهذا القانون، والذي مفاده أن القانون الإداري عبارة عن "... مجموعة القواعد القانونية المتميزة والاستثنائية والمختلفة عن قواعد القانون الخاص المتعلقة بتنظيم الإدارة العامة وتحكم نشاطها وما يترتب عنه من منازعات...".
وعلى هذا، فإن النظام الفرنسي على نقيض النظام الأول، حيث أنه يرتكز على وجود قانون خاص بالإدارة متميز عن القانون الخاص، وعلى قضاء خاص بالإدارة متميز عن القضاء العادي وهو القضاء الإداري، وهنا تكمن أصالة النظام الفرنسي L’originalité)).
ففرنسا تعرف حقيقة قانونا إداريا متميزا ومستقلا عن القانون المدني، كما تعرف فرنسا من جهة أخرى ازدواجية القضاء، وذلك نتيجة لوجود جهة قضائية خاصة بالفصل في المنازعات الإدارية، والمستقلة عن الجهات القضائية العادية.
فالمبدأ في فرنسا هو أن الإدارة تخضع لقواعد خاصة تختلف تماما عن القانون الخاص أو القانون المدني، وهذا هو المقصود عند التحدث عن استقلالية القانون الإداري وأصالة قواعده، وطابعه المخالف للقانون الخاص، إن هذا المبدأ له مظهران مختلفان أحدهما سلبي، يتمثل في عدم تطبيق قواعد القانون الخاص، وبالأخص قواعد القانون المدني على الأعمال الإدارية (القانون المدني لا يعد الشريعة العامة بالنسبة للقانون الإداري)، والآخر إيجابي يتمثل في أصالة القواعد التي تخضع لها الإدارة (أي أن قواعد القانون الإداري قواعد أصلية).
إن هذين المظهرين تجسدا في قضية بلانكو [1](BLANCO) التي فصلت فيها محكمة التنازع الفرنسية بتاريخ 8 فيفري 1873، والتي كانت البداية لتكريس مبدأ استقلالية القانون الإداري من حيث القضاء المختص، ومن حيث القواعد المطبقة على المسؤولية المدنية للإدارة.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون الإداري بالمفهوم الضيق الذي أخذ به النظام الفرنسي لم يصل إلى هذه الاستقلالية إلا بعد تطور تاريخي. فلقد كان القانون المدني حتى نهاية القرن XIXème هو المرجع الأول للروابط القانونية التي تنشأ بين الإدارة والأفراد في كل ما يصدر عنها بوصفها صاحبة السيادة، ذلك أن الإدارة لم تكن تسأل عن أعمالها التي قامت بها باعتبارها صاحبة السلطة، ولكن تسأل إذا ما تجردت عن تلك الصفة.
ولكن بعد الثورة الفرنسية (1789)، ونتيجة للظروف الاجتماعية الخاصة بفرنسا، فسر رجال الثورة الفرنسية مبدأ الفصل بين السلطات تفسيرا جديدا (الفصل الجامد المطلق)، والذي لم يكن مطبقا في الدول التي كانت تأخذ به آنذاك، وهي بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. فبعد نجاح الثورة الفرنسية، قرر رجال الثورة أن استقلال السلطة القضائية يستلزم أن تستقل الإدارة بالفصل في منازعاتها، لذلك وضعوا النص الأساسي الصادر في 16-24 أوت 1790، الذي منع السلطة القضائية من الفصل في المنازعات التي تكون الإدارة طرفا فيها.
وعلى العموم يمكن القول بأن نشأة القضاء الإداري في فرنسا بمفهومه الضيق ارتبطت بالمراحل التالية:
أولا: مرحلة الإدارة القاضية (l’administration-juge)
إذا كان رجال الثورة قد استبعدوا اختصاص القاضي العادي بالفصل في المنازعات الإدارية، فإنهم مع ذلك لم ينشئوا القضاء الإداري، بل عهدوا بمهمة الفصل في المنازعات الإدارية للإدارة، ومقتضى ذلك أن تفصل الإدارة بنفسها في المنازعات التي تكون طرفا فيها، فتصبح هي الخصم والحكم في نفس الوقت. إن هذه المرحلة هي المسماة بنظرية الوزير القاضي (la théorie du ministre juge) أو الإدارة القاضية
ثانيا: مرحلة القضاء المحجوز أو المقيد (la justice retenue)
عندما أصبح نابليون القنصل الأول للجمهورية وضع أساس مجلس الدولة الفرنسي ومعه المحاكم الإدارية (مجالس الإقليم)، و في هذه الفترة أنشأ مجلس الدولة كهيئة استشارية أي أن الوزير قبل أن يفصل في النزاع يستشير مجلس الدولة، ولكن لما كان الوزير يثق في المجلس فإنه كان يأخذ في الغالب الأعم برأي المجلس، على الرغم من أن رأيه من الناحية القانونية غير ملزم.
ثالثا: مرحلة القضاء المفوض (la justice déléguée)
عقب قيام الجمهورية الثالثة (1872-1940)، أقر المشرع ما جرى عليه العمل، وبالتالي أصبح مجلس الدولة يتمتع باختصاصات قضائية (قضاء إداري)، وهنا تم إنشاء محكمة التنازع، كجهة مختصة بالفصل في إشكالات الاختصاص بين القضاء العادي والقضاء الإداري.
رابعا: مرحلة القضاء المطلق (la justice absolue)
رغم تحول مجلس الدولة إلى هيئة قضائية إلا أنه ظل متمسكا بنظرية الوزير القاضي، وذلك حتى أواخر القرن XIXème. فالفقه والقضاء اعتبروا أن التجديدات التي جاءت بها القنصلية في السنة الثامنة من الثورة، لم يقصد بها إلغاء نظام الإدارة القاضية، وٕإنما مجرد إنشاء هيئات أخرى بجوار الإدارة العامة لتختص بالنظر في المنازعات التي أعطتها إياها النصوص، لهذا بقيت الإدارة هي الجهة القضائية ذات الاختصاص العام في المنازعات الإدارية. أما المحاكم فلا تختص بالفصل في المنازعات إلا إذا وجد نص يقضي بذلك صراحة. وظل الأمر هكذا إلى غاية 13 ديسمبر 1889 حين عدل مجلس الدولة الفرنسي عن هذا التفسير، وقضى نهائيا على نظرية الوزير القاضي بمناسبة قراره المبدئي الشهير في قضية (CADOT) إذ قبل الدعوى المرفوعة من طرف السيد "كادو" مباشرة دون مروره بالوزير.
ومن خلال ما سبق يمكن تعريف القانون الإداري على أنه "مجموعة من القواعد القانونية المتميزة عن قواعد القانون الخاص والتي تنظم النشاط الإداري للأشخاص المعنوية العامة".
ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن هذا التعريف نسبي، وذلك نظرا لأن نشاط الإدارة يخضع – كما توضيحه سابقا- لمزيج من قواعد القانون العام والخاص.
فتخضع الإدارة تارة للقانون الخاص عندما تظهر بمظهر الأفراد العاديين، كما تخضع في حالات أخرى لقواعد استثنائية متميزة عن قواعد القانون الخاص في حالة استعمالها لامتيازات السلطة العامة. ولذلك هناك من الفقه من يرى بضرورة تكييف التعريف السابق عن طريق عدم تخصيصه فقط بالقواعد القانونية المتميزة عن القانون الخاص، بل بكل القواعد القانونية التي تنظم النشاط الإداري، أيا كانت تلك القواعد، وبدون أي تمييز بينها، سواء كانت من قواعد القانون الخاص، أم كانت من القواعد المتميزة عن القانون الخاص
والحقيقة أنه إذا ما تم التسليم بوجهة النظر هذه، فسوف يكون من الضروري عزل بعض القواعد القانونية من مجال القانون الإداري، طالما أنها متواجدة في التعامل بين الخواص، ولذلك يكون من غير المستساغ تسميتها بالقواعد الإدارية.
وعلى هذا الأساس يبقى التعريف الأول على حاله، بشرط التنبيه من الآن على أن تلك القواعد القانونية المتميزة عن قواعد القانون الخاص، لا تحكم لوحدها كل النشاط الإداري، بل هناك قواعد أخرى تحكم جزء من النشاط الإداري، وهي من قواعد القانون الخاص.
الخصائص والمبادئ الأساسية للقانون الإداري
القانون الإداري عبارة عن قانون أصيل ومستقل بذاته (le droit administratif est un droit original et autonome)، كما أن القواعد القانونية المشكّلة له متميزة عن تلك الموجودة في القانون المدني.
على أن هذه الأصالة والذاتية والتميز التي يتمتع بها القانون الإداري، والتي تبرز مدى الفرق بينه وبين أحكام القانون المدني، لا تظهر إلاّ من خلال التطرق لخصائص القانون الإداري (المطلب الأول)، ثم من خلال دراسة المبادئ الأساسية التي يقوم عليها هذا الفرع من فروع القانون العام (المطلب الثاني).
المطلب الأول: خصائص القانون الإداري
يتمتع القانون الإداري بجملة من الخصائص تجعله متميزا عن باقي القوانين، خاصة القانون المدني، فهو عبارة عن قانون حديث النشأة نسبيا مقارنة مع الشريعة العامة (الفرع الأول)، كما أنه قانون غير مقنن (الفرع الثاني)، بالإضافة إلى أنه قانون ذو نشأة قضائية أساسا (الفرع الثالث).
الفرع الأول: الحداثة النسبية لنشأة القانون الإداري
تجدر الإشارة بداية إلى أن جذور القانون المدني ضاربة في القدم، ذلك أن أغلب مفاهيمه الأساسية مستمدة من القانون الروماني، وعلى هذا فإن تطور القانون المدني واستقراره على الشكل المتعارف عليه حاليا، كان وليدا لممارسة قديمة جدا وهو الأمر الذي يفسر المنطق الصارم الذي يتميز به القانون المدني، الناتج من وضوح مفاهيمه ومبادئه الأساسية، وكذا من تعريفاته الدقيقة.
أما القانون الإداري فقد ظهرت ملامحه، وبدأ اكتمال شكله بطريقة بطيئة في القرن التاسع عشر ميلادي، (XIXème siècle) خاصة مع بداية الربع الأخير منه، لذلك فإن كثيرا من مبادئه الأساسية بقيت غير مؤكدة (incertaine). وبالإضافة إلى ذلك فإن نشأة القانون الإداري قد اقترنت بتطور سريع للحضارة الشيء الذي ترتب عليه إعادة النظر في بعض مبادئه بدلا من استكمالها.
ومن هنا يمكن القول بأن القانون الإداري في مفهومه الفني الضيق، هو قانون حديث النشأة نسبيا كنظرية قانونية لها أصولها، وأسسها، ونطاقها. فالقانون الإداري لم ينشأ كقانون مستقل ذو أسس ومبادئ، إلا في منتصف القرن التاسع عشر (XIXème) واكتمل نسق بنائه في القرن العشرين (XXème). فالقانون الإداري لم ينشأ كنظرية، بمفهومه الفني الضيق، إلا بنشأة القضاء الإداري.
الفرع الثاني: عدم وجود تقنين للقانون الإداري
بصفة عامة وانطلاقا من نظرة تقليدية لصياغة القوانين، يمكن القول بأن عملية التقنين في أغلب المواد القانونية، تفرض على واضعيها أن تكون لهم نظرة شاملة عن ذلك القانون، وذلك قصد تنظيمه في مواد دقيقة ومنسجمة. ولكن بالرجوع إلى المادة الإدارية، يلاحظ بأن المشرع الفرنسي، عادة ما كان يقتصر على تنظيم المسائل المستعجلة. لذلك ظهرت قوانين متعاقبة وجزئية، مرتبطة عادة بظروف وضرورات معينة، أنشأت هيئات إدارية، وبينت بعض إجراءاتها. إن تلك القوانين نادرا ما قامت بوضع مبادئ عامة، أو قدمت تعاريف دقيقة.
لهذا وبالرغم من دور النصوص التنظيمية التي تتدخل عادة لتوضيح النصوص التشريعية الغامضة، ظهرت العديد من المشاكل الأساسية في أغلبها والتي لم تجد حلا في النصوص المكتوبة. وٕان كان هناك مجهود مبذول في فرنسا ابتداء من سنة 1948 من أجل تقنين القانون الإداري، إلا أنه اقتصر على تنظيم المواد والنصوص سارية المفعول، دون تعديلها. وهذا العمل لم يؤد إلى إنشاء تقنين إداري
هذا وتجدر الإشارة إلى أن عدم تقنين القانون الإداري لا يرجع إلى حداثة المادة وحدها فحسب، بل إلى طبيعة التشريعات الإدارية بحد ذاتها، إذ لو تمت المقارنة بين قواعد القانون المدني وقواعد القانون الإداري، لتبيّن بأن قواعد القانون المدني تتميز بالثبات، وهذا خلاف قواعد القانون الإداري التي لا تتصف بالثبات بل هي سريعة التطور. ولكن على الرغم من أن القانون الإداري يتميز بخاصية عدم تقنينه في مجموعة واحدة، إلا أن هذا لا يحول دون وجود بعض التقنينات الجُزئية المتعلقة ببعض مواد القانون الإداري، كقانون البلدية، وقانون الولاية، وقانون الانتخابات.
الفرع الثالث: القانون الإداري ذو نشأة قضائية أساسا
إن النشأة الأولى لمعظم نظريات القانون الإداري، ومبادئه، وأسسه، كانت نشأة قضائية، أي لم تكن من صنع أو وضع المشرع، وهنا تكمن أصالة، وذاتية القانون الإداري. فعندما كانت تعرض المنازعات على القاضي الإداري الفرنسي، لم يكن يلجأ إلى استنباط الحل من قواعد القانون المدني، بل كان يجتهد، أي يأتي بالحلول من عنده. ومجموع هذه الاجتهادات كونت نظرية القانون الإداري. ولكن بعد ذلك، تدخل المشرع وتبنى النظريات القضائية، أي ضمنها في نصوص تشريعية. إلا أن ما قام به المشرع هنا، لا ينزع عن تلك القواعد صفتها القضائية، لأن نشأتها كانت بالأساس نشأة قضائية.
إن هذه الخاصية هي الخاصية الأساسية للقانون الإداري، حتى ولو أنها أصبحت تعرف تراجعا في الوقت الحالي، وذلك بالنظر لكثرة القواعد المكتوبة. فنظرا للالتزام الملقى على عاتق القاضي الإداري، والمتمثل في الفصل في المنازعات المعروضة عليه والتي لم تعالجها النصوص القانونية، فإنه وجد نفسه مضطرا إلى إنشاء القاعدة التي يطبقها على النزاع المعروض عليه. ولقد ترتب على هذه الخاصية الأساسية التي يتمتع بها القانون الإداري نتائج جد هامة تمثلت فيما يلي:
1) من الناحية الشكلية: إن العديد من قواعد القانون الإداري مرتبطة بالقرارات المبدئية (les Arrêts de principes) الصادرة عن مجلس الدولة الفرنسي، وبالتالي فإن معرفة القرارات الكبرى (Les grands Arrêts) تلعب دوار هاما في دراسة القانون الإداري، شأنها في ذلك شأن النصوص الأساسية للقانون المدني التي يتعين على دارس هذا القانون أن يلّم بها.
2) من الناحية الموضوعية: باعتبار أن القانون الإداري من إنشاء القاضي الإداري، فإن هذا الأخير ينظر إلى المشاكل من وجهة نظره فقط. فمثلا إذا كان القانون المدني يدرس مشكلة بطلان الأعمال القانونية في حد ذاتها، فإن القانون الإداري عالج هذه المشكلة لمدة طويلة بالنظر إلى المنازعات المعروضة عليه، أي ما هي الحالات التي تسمح له بإلغاء الأعمال الإدارية المعروضة عليه؟ وبالمثل فإن كثيرا من النظريات الأساسية للقانون الإداري، لم يكن هدفها سوى معالجة اختصاص القاضي الإداري. فمثلا بمناسبة تحديد ما هي الحالات التي تجعل من القاضي الإداري مختصا بالنظر في نزاع يتعلق بعقد، بدلا من القاضي العادي، تم وضع تعريف للعقد الإداري. إن هذه الهيمنة من وجهة نظر المنازعات، هي خاصية يتميز بها القانون الإداري الفرنسي.
وأخيرا إن الروح العامة لقواعد القانون الإداري تظهر ما مدى أصالة تلك القواعد. فالقاضي الذي وضعها من أجل الفصل في النزاع المعروض عليه، كان يفكّر وهو ينشئها في عدم تضييق معناها، حتى يتمكن من استعمالها في المستقبل بالنظر إلى الظروف الخاصة بكل نزاع. لهذا فإن قواعد القانون الإداري تتميز بخاصية المرونة وعدم التأكد. إن هذه الخاصية تتسع وتكثر نظرا لأن مجلس الدولة الفرنسي جرى عادة على تسبيب قراراته بأسلوب لا يفهمه العامة، لذلك ومن أجل فهمها لابد من الإحاطة بمصطلحات القانون الإداري، وهذا ما يؤدي إلى بناء فكري قانوني متميز.
المطلب الثاني: المبادئ الأساسية للقانون الإداري
نتج عن الخصائص المشار إليها سابقا، وجود تخوف من إمكانية تحول القانون الإداري إلى مجرد قانون ذو قواعد تفصيلية مرنة، ولكن قليلة الفعالية.
لذلك اتجهت الجهود إلى محاولة وضع مبادئ أساسية تمكن من تنظيم هذا القانون، بحيث تكون له فعالية، شأنه في ذلك شأن القانون الخاص. فذهبت الجهود إلى ضرورة إنشاء محاكم إدارية بجانب المحاكم العادية. إلا أن اختصاصات المحاكم الإدارية هذه لم تحدد، الشيء الذي يؤدي حتما إلى تداخل الاختصاص بين القضاء العادي والقضاء الإداري.
انطلاقا من هنا، تباينت رؤى الفقهاء واختلفت جهودهم في محاولة وضع وٕإيجاد معيار محدد يمكن بواسطته معرفة المسائل التي تدخل في اختصاص القاضي العادي، والمسائل التي تدخل في اختصاص القاضي الإداري (الفرع الثاني)، على أنه وقبل التطرق لمختلف المعايير وجب توضيح الغاية أو الهدف من تحديد أساس للقانون الإداري (الفرع أول).
الفرع الأول: الغرض من تحديد أساس للقانون الإداري
إن الغرض الأساسي من وراء إيجاد معيار محدد لمعرفة نطاق تطبيق القانون الإداري وحدوده يتمثل في مسألتين هامتين هما: تحديد الجهة القضائية المختصة (أولا)، ومن ثم تحديد القانون الواجب التطبيق (ثانيا).
أولا: تحديد الجهة القضائية صاحبة الاختصاص
إن الهدف الأول من محاولة وضع أساس للقانون الإداري هو معرفة الجهة القضائية المختصة للفصل في المنازعات التي تكون الإدارة العامة طرفا فيها، أو بمعنى آخر يجب الإجابة على التساؤل التالي: متى تنعقد ولاية الاختصاص للقاضي الإداري؟ ومتى تنعقد للقاضي العادي؟
إن هذا التساؤل فرض نفسه بحدة، خاصة في فرنسا التي كانت السباقة لتبني وتجسيد فكرة وضع قضاء مزدوج، ومن ثم انتقل إلى الدول الأخرى التي سايرتها في نهجها الذي اتبعته، ومن بينها الجزائر.
ثانيا: تحديد القانون الواجب التطبيق
بالإضافة إلى تحديد الجهة القضائية المختصة للفصل في المنازعات التي تكون الإدارة العامة طرفا فيها، تظهر أهمية إيجاد أساس للقانون الإداري في معرفة القانون الواجب التطبيق، أو بمعنى آخر متى نطبق قواعد القانون الإداري؟ ومتى نطبق قواعد القانون الخاص؟
إن هذا التساؤل يفرض نفسه هو الآخر، ذلك أن الإدارة العامة وكما سبقت الإشارة إليه قد تظهر في بعض الحالات بمظهر الأفراد العاديين حين تجردها من امتيازات السلطة العامة.
الفرع الثاني: أهم المعايير المحددة لأساس القانون الإداري
تجدر الإشارة، بأن بروز القانون الإداري في الساحة القانونية، صاحبه جدل كبير حول تحديد الأساس الذي ينبغي أن يبنى عليه، خاصة أن هذا الفرع الجديد من فروع القانون العام، يتضمن قواعد قانونية متميزة عن تلك الموجودة في القانون الخاص.
وعلى ذلك، ظهر معيار السلطة العامة (أولا)، ثم معيار المرفق العام (ثانيا)، إلا أن كلا المعيارين لم يسلما من الانتقادات الفقهية، الشيء الذي ترتب عليه ضرورة البحث عن معايير بديلة (ثالثا).
أولا: معيار السلطة العامة كأساس للقانون الإداري
ظهر هذا المعيار في أواسط القرن التاسع عشر XIXème، حيث حظي باهتمام فقهاء القانون الإداري لذلك العصر، الذين حاولوا التأسيس للقانون الإداري انطلاقا من فكرة السلطة العامة.
ويعتمد هذا المعيار في مجال تحديد نطاق القانون الإداري على ضرورة التركيز على صفة الجهة التي صدر عنها العمل. وتطبيقا لذلك فإن نشاطات الدولة – بصفة عامة - والسلطات العامة، هي التي يطبق عليها القانون الإداري. أما نشاطات الخواص، فيطبق عليها القانون الخاص. وبالتالي إذا كانت الدولة أو السلطة العامة طرفا في النزاع فإن القاضي الإداري هو الذي يكون مختصا بالفصل فيه، وبالتالي يطبق عليه قواعد القانون الإداري. أما إذا كان النزاع بين أشخاص القانون الخاص، فإن القاضي العادي هو الذي يكون مختصا بالفصل فيه.
ورغم بساطة هذا المعيار ووضوحه إلا أنه يشوبه الغموض، وعدم الدقة، ذلك أن هناك العديد من الأعمال التي تقوم بها والدولة ليس بوصفها سلطة عامة، بل بوصفها فردا عاديا، مما يؤدي إلى عدم إمكانية تطبيق قواعد القانون الإداري عليها وبالتالي عدم اختصاص القاضي الإداري بها.
ونتيجة لهذا الانتقاد قام أصحاب المعيار بتعديله، إذ اعتبروا أن القانون الإداري لا يطبق إلا على أعمال الإدارة التي تظهر فيها كسلطة عامة (أعمال السلطة العامة Les actes de puissance publique)، أما أعمال الإدارة العادية (أعمال التسييرLes actes de gestion) فإنها تخضع للقانون الخاص.
ولكن على الرغم من هذا التعديل إلا أن هذا المعيار يبقى ناقصا، ذلك أن كل من أعمال السلطة العامة وأعمال التسيير والإدارة يصدران عن هيئة واحدة، ومن ثم فإن مسألة وضع حد فاصل بينهما، مسألة صعبة للغاية.
ثانيا: معيار المرفق العام كأساس للقانون الإداري
مع بداية القرن العشرين XXème، اهتم جانب من الفقه بمعيار آخر مفاده أن أساس القانون الإداري هو فكرة المرفق العام. ويرجع هذا الاهتمام لصدور بعض القرارات القضائية عن القضاء الإداري الفرنسي - خاصة القرار الصادر عن محكمة التنازع في قضية (Blanco) – التي تؤكد ذلك.
فمن خلال قرار "بلانكو" ذهب بعض الفقه أمثال Jèze و Duguit إلى القول بأن الفرق بين النشاط الخاص والنشاط العام، يكمن في أن هذا الأخير يعتمد أساسا على إشباع الحاجات العامة، وهو الشيء الذي تقوم به المرافق العامة. وعلى هذا الأساس يمكن تعريف القانون الإداري بأنه قانون المرافق العامة. فحسب هذا التصور فإن فكرة المرفق العام هي التي تبين حدود القانون الإداري، وبالتالي اختصاص القاضي الإداري. فكل المسائل المتعلقة بالقانون الإداري لا يمكن فهمها إلا إذا تم ربطها بفكرة المرفق العام.
ولكن ابتداء من سنة 1950، بدأ بعض الفقهاء يشككون في معيار المرفق العام، ذلك أن الميزة التي يتميز بها المرفق العام ليست إلا ميزة ظاهرة لا تتحقق دائما في الواقع. وهنا ظهرت أزمة المرفق العام نتيجة لبعض الحقائق المتمثلة فيما يلي:
1- إن الإدارة لا تهتم فقط بتسيير المرافق العامة، إذ أنها تقوم إلى جانب ذلك بتنظيم النشاط الفردي في إطار البوليس الإداري، والذي يعتبر جزء هاما من نشاط الإدارة. هذا النشاط لا يعد تسييرا لمرفق عام، لذلك فإن موضوع القانون الإداري أوسع من فكرة المرفق العام.
وعلى خلاف ذلك، فإن تسيير المرافق العامة لا يتطلب دائما استعمال وسائل القانون الإداري، ذلك أن الإدارة بإمكانها أن تلجأ إلى وسائل القانون الخاص، خاصة في مجال العقود.
إن هاتين الملاحظتين تؤديان في الحقيقة إلى القضاء على معادلة المرفق العام التي مفادها أن القانون الإداري دائما يساوي اختصاص القاضي الإداري.
2- ابتداء من الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وخاصة بعد التغيير الاقتصادي والاجتماعي، وبروز فكرة الدولة المتدخلة، ظهرت انعكاسات على فكرة تحديد النشاطات العامة والخاصة، والتي كانت فكرة المرفق العام الأساس في التمييز بينها. فإذا كان هدف النشاط العام - والذي يختلف عن هدف النشاط الخاص – هو تحقيق المصلحة العامة، فإن تدخل الدولة في النشاطات التي كانت حكرا على الخواص عن طريق المرافق العامة الصناعية والتجارية، أدى إلى استخدام أساليب مختلطة (أساليب الإدارة العامة وأساليب الإدارة الخاصة) في إدارة وتسيير تلك المرافق، وهذا ما جعل فكرة المرفق العام عاجزة عن منع تسرب موضوعات القانون الخاص إلى نطاق القانون الإداري، ومجال اختصاص القاضي الإداري
من خلال ما سبق يتضح بأن المرفق العام لا يستدعي دائما قواعد القانون الإداري، فقد يستعمل في إدارته وسائل التسيير الخاصة، أي القانون المدني والتجاري، وقد يستعمل قواعد القانون الإداري. ومن هنا يستحيل الاعتماد على معيار المرفق العام لوحده لتبيان مجال تطبيق القانون الإداري.
ثالثا: الحلول المقترحة للبحث عن أساس القانون الإداري
نظرا لقصور المعيارين السابقين في بعض الجوانب، تمت محاولة وضع معايير أخرى كبدائل أو حلول، تصلح لكي تكون أساسا للقانون الإداري. على أن أهم هذه المحاولات تمثلت باختصار شديد فيما يلي:
I) معيار المصلحة العامة
على أعقاب انهيار فكرة المرفق العام وظهور الأزمة المشار إليها سابقا، حاول جانب آخر من الفقه الاعتماد على معيار آخر مفاده أن أساس القانون الإداري هو المصلحة العامة أو المنفعة العامة، وبذلك فإن سبب وجود قواعد القانون الإداري الاستثنائية - حسب هذا الاتجاه من الفقه – يدور حول فكرة المصلحة العامة التي تبرر وجود مثل تلك القواعد، وبذلك تنطبق قواعد القانون الإداري عندما يهدف نشاط الإدارة إلى تحقيق المصلحة العامة، أما إذا كان النشاط الإداري يستهدف المصلحة الخاصة فلا مجال لتطبيق القانون الإداري، كما هو الشأن بالنسبة للمرافق العامة ذات الطابع الصناعي والتجاري.
إلا أن نفس الفقيه هجر هذا المعيار لأن فكرة المصلحة العامة مبهمة وغامضة. بل أكثر من ذلك فإن فكرة المصلحة العامة هي التي أدت في الحقيقة إلى الاستعانة بوسائل القانون الخاص لإدارة المرافق العامة ذات الطابع الاقتصادي لكي تحقق أكبر قدر من المردودية والفعالية.
II) معيار السلطة العامة في ثوبه الجديد
حاول بعض الفقهاء العودة إلى فكرة السلطة العامة، وقالوا بأنها هي أصل ومحور القانون الإداري وأساسه ومعياره، إذ هي التي تجعل من الإدارة العامة باعتبارها سلطة عامة في مركز أسمى من الأفراد. وبالتالي تحتّم وجود قواعد القانون الإداري الاستثنائية الخاصة، وغير المألوفة في مجال القانون الخاص. كما أن فكرة السلطة العامة هي التي تحدد مجال تطبيق القانون الإداري، فكل عمل أو تصرف يتضمن مظاهر السلطة العامة يعد عملا إداريا يدخل في نطاق تطبيق القانون الإداري. إلا أن هذه الفكرة لا يمكن الاعتماد عليها، لأنها عاجزة لوحدها عن أن تكون الفكرة الوحيدة لتبرير وتأسيس القانون الإداري.
III) المزج بين معياري المرفق العام والسلطة العامة
لقد حاول بعض الفقهاء من بينهم CHAPUS التوفيق بين معيار المرفق العام ومعيار السلطة العامة. والحقيقة أن المطّلع على قضاء مجلس الدولة الفرنسي وأحكام التشريع الفرنسي لا يمكنه أن يسلم بأن ثمة معيارا واحدا – أيا كانت صياغته – يحكم موضوع الاختصاص، وبالتالي مجال تطبيق القانون الإداري. فالحقيقة أن اختصاص القضاء الإداري الفرنسي يتحدد وفقا لقواعد متنوعة لا يكاد يجمعها أصل واحد. ومن المفيد أن يحيط بها من يتصدى لدراسة القضاء الإداري.
IV ) الاختصاص يتبع الموضوع (La compétence suit le fond)
إن المبدأ الأساسي المتعلق بتحديد الاختصاص، لم يتغير منذ حكم بلانكو. وهنا لا بد من الرجوع إلى التمييز الذي تم ذكره فيما سبق، والمتمثل في التمييز بين الإدارة العامة والإدارة الخاصة، وبناء عليه يمكن القول بأن طبيعة القواعد التي تطبق على الموضوع، هي التي تحدد الاختصاص. ومعنى ذلك أن اختصاص القاضي يتحدد بالنظر إلى طبيعة القواعد التي تطبق على الموضوع.
على أن تطبيق هذا التوجيه العام (الاختصاص يتبع الموضوع) يتطلب استعمال طريقة مختلفة، بحسب ما إذا كان النزاع يتعلق إما بعمل قانوني، أو بعمل مادي، أو بشيء مستعمل من طرف الإدارة. وعلى أساس هذا التمييز يمكن تحديد القواعد المطبقة حاليا فيما:
1) المنازعات المتعلقة بالأعمال القانونية للإدارة
إن الأعمال القانونية للإدارة هي الأعمال التي تقوم بها الإدارة، وتقصد من وارئها تغيير المراكز القانونية. إن هذه الأعمال تنقسم إلى قسمين:
أ) أعمال قانونية صادرة بإرادة منفردة: وتتمثل في القرارات الإدارية. وما دام أن هذه الأعمال تصدر عن الإدارة –كقاعدة عامة -، فإن الاختصاص بشأن المنازعات المتعلقة بها يختص بها القاضي الإداري الذي يطبق عليها قواعد القانون الإداري.
ب) أعمال قانونية صادرة باتفاق الإرادات : وتتمثل في العقود التي تبرمها الإدارة. على أن هذه العقود تنقسم إلى قسمين:
- عقود خاصة: إن الإدارة في هذه العقود لم تظهر كسلطة عامة، بل تصرفت بنفس الطريقة التي يتصرف فيها الخواص في علاقاتهم الخاصة. ومن هنا فإن الاختصاص بشأن المنازعات المتعلقة بهذه العقود تؤول لاختصاص القاضي العادي.
- عقود إدارية: وهي العقود التي تكون الإدارة طرفا فيها ومتصلة بمرفق عام ذو طابع إداري أو تستعمل الإدارة فيها امتيازات السلطة العامة. إن الاختصاص بشأن المنازعات المتعلقة بهذه العقود تؤول لاختصاص القاضي الإداري.
2) المنازعات المتعلقة بالأعمال المادية
يقصد بالعمل المادي للإدارة، ذلك العمل الذي لا تنوي الإدارة من خلاله إحداث أثر قانوني. إن النزاعات المتعلقة بالنشاط المادي تتعلق فقط بالتعويض. أما الاختصاص فيتحدد بالنظر إلى نوع المرفق العام. فإذا اتصل النشاط المادي بمرفق عام ذو طابع إداري، فإن الاختصاص يؤول للقاضي الإداري الذي يطبق عليه قواعد القانون الإداري. أما إذا اتصل النشاط المادي بمرفق عام ذو طابع صناعي أو تجاري، فإن الاختصاص يؤول للقاضي العادي الذي يطبق عليه قواعد القانون الخاص.
3) المنازعات المتعلقة بفعل الأشياء المستعملة من طرف الإدارة
إن هذه المنازعات تتعلق بالتعويض فقط. وهنا لتحديد الاختصاص القضائي، وبالتالي نوع القواعد القانونية المطبقة لابد من البحث في الطبيعة القانونية للشيء المستعمل. فإن كان ينتمي للملكية العامة للدولة، فتطبق عليه أحكام وقواعد القانون الإداري، ويكون الاختصاص بشأنه للقاضي الإداري. أما إذا كان ينتمي للملكية الخاصة للدولة، فسيطبق عليه القانون الخاص، كما أن النزاع المتعلق به يؤول للقاضي العادي.
مصادر القانون الإداري
تمهيد
نظرا لتعدد القواعد القانونية واختلاف التعبير عن إرادة الدولة وأفرادها، فإنه من المؤكد أن تتعدد مصادر قواعد القانون بصفة عامة ومصادر قواعد القانون الإداري بصفة خاصة.
والمقصود بكلمة "مصدر" ذلك الأصل أو الأساس الذي تخرج منه القاعدة القانونية، فالبحث عن مصدر القاعدة القانونية هو البحث عن السبب المنشئ لها في مجتمع معين، إذ أن القاعدة القانونية، كأي شيء آخر في الوجود، لا يمكن أن تنشأ من العدم، بل لا بد لها من سبب.
وتجدر الإشارة أنه في لغة القانون يجب التفرقة بين معنيين مختلفين لمصادر القانون، فقد يقصد بذلك "...مجموعة العوامل التي ساهمت في تكوين القاعدة القانونية وتحديد مضمونها، سواء كانت هذه العوامل طبيعية، أم اقتصادية، أم تاريخية، أم اجتماعية..."، وهذا ما يعرف بالمصادر المادية للقانون.
وقد يقصد بمصادر القانون ،"... الطرق أو الوسائل التي تستخدم في إخراج القواعد القانونية إلى مجال التطبيق والتنفيذ ..."، وتسمى مصادر القانون بهذا المعنى المصادر الشكلية.
وبهذين المعنيين، فإن مصادر القانون الإداري لا تختلف في جوهرها عن مصادر القانون بصفة عامة، وهذا بغض النظر عن فروعه المتعددة.
وبما أن دراسة المصادر المادية للقانون بوجه عام والقانون الإداري بوجه خاص، عبارة عن دراسة فلسفية بالدرجة الأولى تجد مكانا لها في مقياس "فلسفة القانون"، فسيتم استبعادها من هذه المحاضرة، مع الإبقاء على دراسة المصادر الشكلية والتي تسمى كذلك بالمصادر الرسمية.
على أن المصادر الشكلية (الرسمية) للقانون الإداري، تنقسم إلى مصادر مكتوبة (المطلب الأول) وأخرى غير مكتوبة (المطلب الثاني)
المطلب الأول: المصادر المكتوبة للقانون الإداري
تتمثل المصادر المكتوبة للقانون الإداري في كل من الدستور (الفرع الأول)، والمعاهدات الدولية المصادق عليها (الفرع الثاني)، والتشريع (الفرع الثالث) وأخيرا في التنظيم (الفرع الرابع).
الفرع الأول: الدستور
يعتبر الدستور أو القانون الأساسي أسمى المصادر المكتوبة للقانون عامة وللقانون الإداري خاصة، إذ أنه يوضع عادة وفقا لإجراءات خاصة تختلف من دولة لأخرى ومن نظام سياسي لآخر.
ويتضمن الدستور وضع الدولة، وينظم السلطات المختلفة المشكلة لها، كما يبين شكل الحكومة فيها بما في ذلك اختصاصاتها التنظيمية والوظيفية.
ومن ثم فإن بعض مبادئ القانون الإداري مستمدة من الدستور، كالمبادئ الأساسية للتنظيم الإداري، مبدأ الفصل بين السلطات، ازدواجية القضاء، تنظيم العلاقة داخل السلطة التنفيذية بين رئيس الجمهورية والوزير الأول وتحديد مجال صلاحياتهما، إلى غير ذلك من المسائل ذات الطابع الإداري.
وعلى ذلك، فإن الإدارة مطالبة باحترام الدستور أثناء ممارستها لأعمالها، وٕإلا كانت هذه الأخيرة مشوبة بعدم الدستورية. إلا أنه قد يحدث وأن تستند الإدارة على نص تشريعي لمباشرة أعمالها، ويكون ذلك النص غير دستوري، ففي هذه الحالة يبقى العمل الإداري دون جزاء ،أي ساري المفعول، على الرغم من أنه استند على قانون غير دستوري، لأن القضاء في الجزائر لا يستطيع أن يتعرض له عن طريق ممارسة الرقابة على دستورية القوانين لأن هذه المهمة جعلها الدستور من اختصاص المجلس الدستوري لوحده، بعد إخطاره من طرف الهيئات المخولة دستوريا بذلك.
الفرع الثاني: المعاهدات الدولية
يقصد بالمعاهدات الدولية تلك الاتفاقيات المبرمة بين الدول، أو بين دولة وٕإحدى المنظمات الدولية، بهدف إحداث آثار قانونية في علاقتهم المتبادلة.
والمعاهدات الدولية المصادق عليها من طرف رئيس الجمهورية، حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور، تسمو على القانون. ومن ثم فإن الإدارة العامة ملزمة باحترام النصوص الواردة في المعاهدات الدولية وٕإلا كان عملا متسما بعدم المشروعية.
الفرع الثالث: التشريع
يقصد بالتشريع مجموعة القواعد القانونية الصادرة عن السلطة التشريعية، أي تلك القواعد القانونية التي يقوم البرلمان بوضعها في حدود اختصاصه المبين في الدستور.
وتجدر الإشارة إلى أن التشريع ينقسم إلى فئتين اثنتين: فئة القوانين العضوية التي تكون في مسائل محددة حصرا في الدستور. وفئة القوانين العادية.
وبالرغم من أن القانون الإداري غير مقنن، أي ليست له مجموعة قانونية واحدة تتضمن القواعد والأحكام الخاصة به مثل بقية فروع القانون الأخرى، كالقانون المدني والقانون التجاري وقانون العقوبات، فإنه توجد العديد من القوانين التي تنظم الكثير من موضوعاته، كالقانون العضوي المتعلق بمجلس الدولة، القانون المنظم للمحاكم الإدارية، قانون البلدية، قانون الولاية، إلى غير ذلك من الأمثلة.
الفرع الرابع: التنظيم
يقصد بالتنظيم ذلك التصرف القانوني الصادر عن السلطة التنفيذية والمتضمن لقواعد عامة ومجردة. وعلى هذا فإن التنظيم بهذا المعنى الموضوعي لا يختلف عن التشريع (القانون).
أما من الناحية العضوية، فإن التنظيم يختلف عن التشريع (القانون) ذلك أنه يصدر عن السلطة التنفيذية في حين أن الثاني مصدره السلطة التشريعية.
وتجدر الإشارة إلى أن التنظيم ليس على شكل واحد وٕإنما تتعدد أشكاله باختلاف الزوايا التي ينظر إليه منها، والتي يمكن إجمالها فيما يلي:
- التنظيم بحسب الجهة المصدرة له: من هذه الزاوية يمكن أن يكون التنظيم إما مرسوما رئاسيا، أو مرسوما تنفيذيا، أو قرارا وزاريا، أو قرار صادر عن الوالي، أو قرار صادر عن رئيس المجلس الشعبي البلدي.
- التنظيم بحسب موضوعه: من هذه الزاوية قد يكون التنظيم عبارة عن تنظيم مستقل صادر عن رئيس الجمهورية بما يملكه من سلطة تنظيمية مستقلة، وقد يكون تنظيم تنفيذي أو تطبيقي صادر عن الوزير الأول بما يملكه هو الآخر من سلطة تنظيمية مستقلة تبعية.
وبالإضافة إلى هذه الأنواع من التنظيم - والتي يسميها بعض من الفقه العربي باللوائح، يمكن إضافة التنظيمات التفويضية (اللوائح التفويضية)، وتنظيمات الضرورة (لوائح الضرورة)، وتنظيمات الضبط (لوائح الضبط).
وبناء على ما سبق، فإن التنظيم بمختلف صوره له دور هام في تنظيم النشاط الإداري، حيث تعد القرارات الإدارية التنظيمية مصدرا من مصادر مبدأ المشروعية. فالإدارة العامة ليست ملزمة فقط باحترام التشريع، بل ملزمة كذلك باحت ارم القرارات الإدارية التنظيمية الصادرة عن الجهات المختصة.
فالتنظيم أو اللائحة أو التشريع الفرعي يشكل مصدرا هاما، بل أهم مصدر من مصادر القانون الإداري المكتوبة، نظرا لأعداده الهائلة المنشورة في الجريدة الرسمية وفي النشرات المحلية الخاصة بالهيئات المحلية.
المطلب الثاني: المصادر غير المكتوبة للقانون الإداري
تتمثل المصادر غير المكتوبة في الفقه (الفرع الأول)، والعرف الإداري (الفرع الثاني)، والقضاء (الفرع الثالث) والمبادئ العامة للقانون (الفرع الرابع). على أن المصدرين الأخيرين من أهم المصادر سواء المكتوبة منها أو غير المكتوبة، وهذا راجع بالدرجة الأولى لكون القانون الإداري ذو نشأة قضائية بامتياز.
الفرع الأول: الفقه
يقصد بالفقه "... مجموعة القواعد المستنبطة من قبل شراح القانون بعد الدراسة والبحث في مسائل معينة أو نقد نصوص موجودة أو التعليق على أحكام وقرارات قضائية..." ، وبهذا المعنى لا يعد الفقه مصدرا رسميا للقانون الإداري بأتم معنى الكلمة، ذلك أن الآراء الفقهية مهما كانت قيمتها، إلا أنها لا تتمتع بالقوة القانونية الملزمة.
ولكن بالرغم من ذلك، فإن للفقه في القانون الإداري دور كبير قد يتجاوز دوره في باقي فروع القانون الأخرى، وذلك راجع لحداثة نشأة القانون الإداري من جهة، ولعدم تقنينه من جهة أخرى. وهو الأمر الذي يجعله يؤدي مهمة كبيرة في إبراز الأسس والنظريات العامة التي تحكم القانون الإداري، وفي شرح المبادئ والأحكام المتفرعة عنها، وفي دراسة النصوص القانونية الصادرة عن المشرع وتبيان ما تتضمنه هذه الأخيرة من ثغرات قانونية، وكذا في تحليل ونقد الأحكام والقرارات الصادرة عن القضاء الإداري.
كما يقوم فقه القانون الإداري بمقارنة مبادئ وأحكام القانون الإداري مع ما تم التوصل إليه في الدول الأخرى، لكي يصل إلى أفضل الحلول الملائمة.
وعلى ذلك، فإن فقه القانون الإداري يلعب دور المرشد الذي يبين الحلول الملائمة لكل من المشرع والقضاء الإداري.
الفرع الثاني: العرف الإداري
يقصد بالعرف الإداري "... ما يجري عليه العمل من جانب السلطة الإدارية، في مباشرة نشاطها على نحو معين وبشكل مضطرد بحيث يشكل ذلك قاعدة ملزمة واجبة الإتباع ...".
وعلى هذا، لكي يصبح سلوك الإدارة في إنجاز عمل معين عرفا إداريا، يتعين أن يتوافر له ركنان: الركن المادي (أولا)، والركن المعنوي (ثانيا).
أولا: الركن المادي
يتمثل الركن المادي في اعتياد الإدارة العامة على الأخذ بقاعدة متبعة وتكرار تطبيقها بانتظام وبدون انقطاع فيها، متى توافرت شروطها وهي العمومية والقدم والاستقرار.
وهذا يعني أن انقطاع الاعتياد في إتباع سلوك معين من جانب الإدارة يؤدي إلى عدم توافر الركن المادي للعرف.
ثانيا: الركن المعنوي
يتكون الركن المعنوي عندما يتولد الشعور لدى الإدارة العامة والأفراد المتعاملين معها بإلزامية هذه العادة، وأنها صارت قاعدة واجبة الاحترام.
وتجدر الإشارة إلى أنه وللأخذ بالعرف الإداري كمصدر من مصادر القانون الإداري، يجب أن لا يكون مخالفا للنصوص التشريعية أو التنظيمية، لأنه إذا صدر نص قانوني مخالف للعرف الإداري فقد هذا الأخير قيمته القانونية، كما أنه يمكن للإدارة أن تخالف القاعدة العرفية القائمة بإتباع قاعدة عرفية جديدة. ومن ثم فإن العرف بصفة عامة لا يلعب في مجال القانون الإداري نفس الدور الذي بلعبه في القوانين الأخرى، إذ يبقى دوره في الحقيقة ثانويا.
الفرع الثالث: القضاء
يعتبر القضاء أهم مصدر من مصادر القانون الإداري، نظرا للدور الذي يقوم به القاضي الإداري في إنشاء القواعد. ومن ثم يجب التطرق إلى دور القاضي الإداري في خلق القانون الإداري (أولا)، ثم دراسة تقنيات وضع القاعدة القضائية (ثانيا)، وأخيرا البحث في القوة القانونية للقاعدة القضائية (ثالثا).
أولا: دور القاضي في إنشاء القانون الإداري
لا يختلف دور القاضي الإداري عن القاضي المدني، في أن وظيفة كل واحد منهما تنحصر في الفصل في المنازعات المعروضة عليه. وٕإذا كان الدستور لم يشر صراحة إلى إمكانية قيام القاضي بوضع القواعد العامة، فإن هذا يفترض أن تكون أمام القاضي الإداري قواعد قانونية تنطبق على الحالة المعروضة عليه، والتي بواسطتها يستطيع الفصل في النزاع. إلا أن القاضي قد يجد نفسه دون أية قاعدة مكتوبة تنطبق على النزاع المعروض عليه. ويحدث هذا غالبا في القضاء الإداري نظرا لطابعه الخاص. فالقاضي هنا ملزم بالفصل في النزاع المعروض عليه. وهنا قد يجد نفسه مضطرا إلى خلق قواعد عامة تمكنه من حل النزاع. فما هي التقنيات التي يتبعها للقيام بتلك المهمة؟.
ثانيا: تقنيات وضع القاعدة القضائية
إذا كان حل النزاع يستنبط من نص قانوني موجود، فإن القاضي الإداري -شأنه شأن القاضي العادي- يقوم بعملية تفسير ذلك النص من أجل استنباط الحكم. وفي هذه الحالة لا يمكن القول بأن القاضي الإداري أنشأ قاعدة قانونية، ذلك أن سلطته في التفسير تختلط هنا مع النص المفسر. ومع ذلك، فإن القاضي الإداري قد برهن على أن له حرية كبيرة في مجال التفسير لاستنباط الأحكام. أما إذا لم يكن هذا النص الذي ينطبق على النزاع موجودا، فإن القاضي الإداري قد يلجأ إلى البحث عن الحل من خلال القضايا المشابهة للقضية المعروضة عليه والتي تم الفصل فيها سابقا، فيعطي للقضية المعروضة عليه حكما يشابه حكم الحالات السابقة.
ولكن في حالات أخرى، وأمام انعدام النص، أو الحكم السابق، فإن القاضي يقوم بإنشاء القاعدة التي تحكم النزاع بطريقة صريحة، ما دام أنه ملزم بالفصل بالنزاع المعروض عليه.
إن هذا الاجتهاد إذا لم يقصد القاضي التمسك به مستقبلا يعتبر حلا فرديا، قد يغيره القاضي في قضايا أخرى مشابهة للقضية المعروضة عليه. أما إذا قصد القاضي التمسك بهذا الحل مستقبلا في القضايا المشابهة التي ستعرض عليه في المستقبل فيعتبر بمثابة قرار مبدئي arrêt de principe)).
على أن هذا القرار المبدئي ليست له أية ميزة خارجية تميزه عن غيره من الأحكام، بل الذي يجعله معروفا هو مقالات مفوضي الحكومة، وتعاليق الفقهاء عليه.
ثالثا:القوة القانونية للقاعدة القضائية
إذا كان القاضي لا يستطيع من الناحية الشكلية أو العضوية أن ينشئ قواعد قانونية، لأن دوره التقليدي يتمثل فقط في تطبيق القانون، فإنه من خلال القرار المبدئي تجاوز القاضي الإداري مهمته العادية، وتحول إلى مصدر إنشائي للقواعد القانونية. وبالتالي فإن القرار المبدئي باعتباره حكما قضائيا، سيتجاوز حدود الحجية المقررة للأحكام القضائية، ليتحول إلى قاعدة قانونية ذات قوة إلزامية عامة، وواجبة التطبيق مستقبلا على الحالات المشابهة. فالقاضي الإداري عند وضعه للقرار المبدئي، نادرا ما يفكر في تعديله أو الخروج عليه.
ولكن على الرغم من بديهية هذه النتيجة، فقد يُعترض عليها، لأن الدستور لا يتضمن أي نص يسمح للقاضي بوضع قواعد عامة ومجردة تطبق مستقبلا على الحالات المشابهة، شأنها في ذلك شأن القواعد التشريعية فالحكم الذي يضعه القاضي الإداري، لا ينطبق إلا على النزاع المعروض عليه. بل إن القاضي ذاته قد لا يطبق ذلك الحل في نزاع مستقبل مشابه للنزاع المعروض عليه.
إلا أن التحليل الموضوعي لدور القاضي الإداري في وضع القرارات المبدئية يكذب هذا الاعتراض، لأن القرار المبدئي يتميز عن الحلول الفردية (I)، الشيء الذي يترتب عليه أن للقرار المبدئي نفس خصائص القاعدة القانونية (II). مما يتعين وضعه في مكان معين ضمن الهرم القانوني للقواعد القانونية (III).
I) القرار المبدئي يتميز عن الحلول الفردية
إن الحجة الأساسية التي يمكن الاعتماد عليها للقول بأن القرار المبدئي باعتباره حكما قضائيا، لا يعتبر قاعدة قانونية، تتمثل في أن القاضي الذي وضعه، لا يعد من الناحية القانونية مرتبطا به كما هو الشأن بالنسبة لارتباطه بالنص المكتوب. وهذا على خلاف ما يقع في بعض الدول كبريطانيا، التي توجب على القاضي الالتزام بالسوابق القضائية. فالقاضي حر في النزاع الجديد، في عدم التقيد بالحل الذي وضعه في النزاع السابق، ذلك أنه عندما يخلق حلا عادلا للنزاع، في حالة وجود نقص في مصادر القانون الوضعي، فإنه لا يخلق بذلك قاعدة قانونية، ولكنه يخلق حلا فرديا والحكم الذي يصدره، لا تكون له حجية إلا بالنسبة لهذا النزاع بالذات، إذ لا يجوز التمسك به مستقبلا أمام نفس القاضي، أو أمام قاض آخر.
إلا أن هذه الحجة مردود عليها، لأنه فيها خلط بين الحكم القضائي الذي يعتبر حلا فرديا، وبين القرار المبدئي. فمن خصائص القرار المبدئي، هو نية القاضي الإداري في التمسك به مستقبلا في القضايا المشابهة. لذلك سيتجاوز القرار المبدئي حدود الحجية النسبية المقررة للأحكام القضائية، ليكون بمثابة القاعدة القانونية الملزمة والواجبة التطبيق مستقبلا على الحالات المشابهة. فموقف القاضي الإداري إذن تجاه القرار المبدئي، هو نفسه تجاه القواعد التشريعية، إذا توفرت لديه نية الالتزام به لحظة إنشائه. و في هذا ما يضفي عليه صفة القاعدة القانونية.
II) القرار المبدئي يتمتع بخصائص القاعدة القانونية
قد يقال بأن القرار المبدئي لا يتمتع بخصائص القاعدة القانونية، نظرا لعدم ارتباط القاضي الإداري بالقاعدة التي يضعها في القرار المبدئي، وهذا على خلاف القاعدة المكتوبة. إلا أن التحليل المادي يكذب هذه النتيجة.
فمن جهة، حتى ولو تم التسليم بأن القاضي الإداري غير مرتبط -نظريا- بالقاعدة التي يضعها في القرار المبدئي، على خلاف القاعدة المكتوبة، فإن عدم الارتباط هذا له تبريره. فالقاعدة المكتوبة لا يضعها المشرع بصفة أبدية، إذ هي قابلة للتعديل إذا تغيرت ظروف تطبيقها. فمن خصائص القاعدة القانونية أنها اجتماعية، وهي نفس الخاصية التي تتمتع بها القاعدة القضائية التي جاء بها القرار المبدئي، ذلك أن القاضي الإداري لو خالفها أو أتى بقرار مبدئي جديد، فمعنى ذلك أن القرار المبدئي الأول، أصبح لا يتماشى مع الظروف الاجتماعية الجديدة، الشيء الذي يترتب عليه ضرورة تعديلها أو تغييرها، شأنها في ذلك شأن القاعدة المكتوبة التي يضعها المشرع.
و من جهة أخرى، حتى و لو فكر القاضي الإداري في تعديل القرار المبدئي، فإنه لا يعدله إلا إذا كانت هنالك ضرورة لتعديله. وفي هذا الصدد، فإن القاضي يتخذ سلوكا أكثر تعقلا، و أكثر حذرا من الذي يسلكه عادة تجاه الأحكام التي تعتبر مجرد حلول تطبيقية، إذ لا يقوم بتعديله مباشرة، خاصة إذا علم بأن للقاعدة القضائية في المجال الإداري خاصيتين أساسيتين هما المرونة وصعوبة فهمها. لذلك غالبا ما يتبنى تفسيرا واسعا أو ضيقا للقرار المبدئي القديم المراد تعديله، مع الاحتفاظ بصلب القرار المبدئي. أو أنه يأتي بنص إضافي، يمشي جنبا إلى جنب مع القرار المبدئي القديم.
و ينتج عن كل ما سبق، أن الإدارة و الأفراد ملزمين باحترام القاعدة التي جاء بها القرار المبدئي، ذلك أنهم إذا خالفوها، فسيطبق عليهم القاضي الإداري نفس الجزاءات التي يطبقها على مخالفة القواعد المكتوبة. بل قد يكون أكثر صرامة هنا، طالما أن تلك القواعد قد صدرت عنه، و في مخالفتها زعزعة لمركزه. و من هنا ،سينتج عند الإدارة، و الأفراد، الشعور بإلزامية القرار المبدئي، شأنه في ذلك شأن القاعدة المكتوبة، نظرا للجزاء الذي يتمتع به.
وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن القاعدة التي جاء بها القرار المبدئي، تحتوي من وجهة النظر المزدوجة: الموضوعية -وجود جزاء- و الشخصية -الشعور بإلزاميتها - على كل خصائص القاعدة القانونية
III) مكانة القرار المبدئي ضمن الهرم القانوني للقواعد القانونية
لقد ذهب بعض الفقه إلى اعتبار أن القواعد القضائية تحتل مكانة أسمى من التنظيمات، وأدنى من التشريعات، والسبب في ذلك حسب رأيهم، يتمثل في أن القاضي ليس بإمكانه رقابة دستورية القوانين. وبالتالي فإنه لا يستطيع أن يلغي القانون، وعليه، فإن عمله لا يمكن أن يساوي أو يسمو على القانون. وعلى خلاف ذلك، فإن القاضي بإمكانه إلغاء القرارات الإدارية، حتى ولو كانت صادرة عن أصحاب المجال التنظيمي (رئيس الجمهورية أو الوزير الأول)، وعليه فإن عمله هنا يسمو على التنظيمات. ومن هنا فإن القرارات المبدئية تحتل مكانة وسط بين التشريعات – ما دام أن القاضي الإداري ليس بإمكانه تعديلها أو إلغائها -، والتنظيمات – ما دام أن القاضي الإداري بإمكانه تعديلها أو إلغائها -.
إلا أن فريقا آخر لا يشايع هذا الرأي، ذلك أن القاضي الإداري إذا كان بإمكانه إلغاء القرارات الإدارية حتى التنظيمية منها، فإن ذلك مشروط بأن تكون تلك القرارات غير مشروعة. لذلك لا يمكن اعتبار حقه في إلغاء القرارات الإدارية غير المشروعة سببا في اعتبار عمله يسمو على تلك القرارات.
ومن جهة أخرى – وهو المهم في هذا الصدد -، فإن القرار المبدئي لا يمكن أن ينشأ في حالة وجود القاعدة القانونية المكتوبة التي يمكن تطبيقها على النزاع المعروض عليه. فالقاضي الإداري لا ينشئ القرار المبدئي – كما تم التعرض إليه سابقا – إلا في حالة انعدام النص القانوني المكتوب الذي يحكم النزاع المعروض عليه. أو بتعبير آخر، فإن القاضي الإداري ليس بإمكانه أن ينشئ قرارا مبدئيا، في حين أن النص المكتوب الذي يحكم النزاع يكون موجودا. لهذا فإنه لا يمكن مقارنة القرار المبدئي من حيث مرتبته في الهرم القانوني، مع النصوص القانونية المكتوبة، ما دام أن هذه النصوص غير موجودة أصلا.
الفرع الرابع: المبادئ العامة للقانون
يقصد بالمبادئ العامة للقانون تلك "... المبادئ التي يكشف عنها عقل الإنسان السليم، والتي يمكن استخلاصها من ضرورات الحياة الاجتماعية مثل استمرارية المرافق العامة، أو من مبادئ العدالة، مثل مبدأ الإثراء بلا سبب. ويترتب على مخالفتها من طرف الإدارة تعرضها لتوقيع الجزاء عليها...".
على أن دراسة المبادئ العامة للقانون يقتضي دراسة خصائصها القانونية (أولا)، ثم البحث في قيمتها القانونية (ثانيا).
أولا: الخصائص القانونية للمبادئ العامة للقانون
تتمثل هذه الخصائص فيما يلي:
1- تتمتع المبادئ العامة للقانون بقوة ملزمة لكل من هو مخاطب بها، أي أنها ملزمة للأفراد والإدارة على حد سواء. وعليه فإن أي عمل إداري مخالف لهذه المبادئ يتعرض للبطلان. وفي حالة ما إذا ترتب عليه ضرر للغير، فإن ذلك سيؤدي إلى قيام المسؤولية الإدارية. ومن هنا فإن قيمة المبادئ العامة للقانون هي نفس قيمة القانون الوضعي.
2- إن القوة التي تتمتع بها المبادئ العامة للقانون لا يمكن ربطها بأي عنصر شكلي (مكتوب وغير مكتوب)، فهذه المبادئ تتمتع بقوة ملزمة حتى في حالة عدم وجود نص، لهذا فإنها تستقل عن أي عنصر شكلي.
على أن السؤال الذي يطرح، هل يمكن اعتبار المبادئ العامة للقانون بمثابة قواعد قضائية؟
ذهب البعض إلى القول بأن دور القاضي في المبادئ العامة للقانون دور كاشف، وليس منشئ، أي أنه لم يقم بخلقها أو ابتكارها، وٕإنما قام فقط بالكشف عنها، مما يدل على أنها كانت موجودة قبل أن يشير إليها. إلا أن المتأمل لدور القاضي هنا يلاحظ بأن عمل القاضي في الحقيقة هو دور منشئ، ذلك أنه هو الذي أدخلها في عالم القانون. فالمبدأ العام للقانون الموجود في ضمير الجماعة، لم يكن يتمتع بأي قوة ملزمة إلا بعد أن أدخله القاضي في عالم القانون الوضعي. وهذا هو الدور الخلاق الذي يقوم به القاضي.
ثانيا: القيمة القانونية لمبادئ العامة للقانون
قبل سنة 1958 كان معظم الفقهاء الفرنسيين يقولون بأن المبدأ العام للقانون له نفس قيمة التشريع. أما موقف القضاء الفرنسي قبل سنة 1958، فلم يكن واضحا. ولكن ابتداء من سنة 1958 (صدور الدستور الفرنسي الحالي) اعتبر مجلس الدولة الفرنسي أن المبادئ العامة للقانون لها قوة ملزمة.
إلا أن الإشكال ظل مطروحا إلى أن عرض الأمر على المجلس الدستوري الفرنسي الذي ميز بين نوعين من المبادئ العامة للقانون. المبادئ المستمدة من الدستور وهذه تأخذ مرتبة الدستور، أما المبادئ الأخرى فتأخذ مرتبة التشريع العادي.
المدلول القانوني لفكرة التنظيم الإداري
يقوم التنظيم الإداري على أساس قانوني يتمثل في فكرة الشخصية المعنوية، باعتبارها السند الأول لعملية تنظيم وتوزيع الوظائف والاختصاصات الإدارية بين مختلف هيئات وأجهزة الإدارة العامة بالدولة.
على أن التعرض لفكرة الشخصية المعنوية، يقتضي التطرق إلى مفهومها (المطلب الأول)، ثم دراسة نظامها القانوني (المطلب الثاني).
المطلب الأول: مفهوم الشخصية المعنوية
إن نشاط الهيئات الإدارية العامة في الحقيقة، ما هو إلا نشاط الأشخاص القائمين بأعمالها، غير أن أعوان الإدارة لا يؤدون الأعمال الموكلة لهم بأسمائهم أو بصفتهم الشخصية، وٕإنما باسم الإدارة التابعين لها ونيابة عنهم. وهكذا تتمتع الإدارة العامة بمركز قانوني متميز عن المراكز القانونية لمستخدميها، وبالتالي تكون للإدارة شخصية قانونية أي يتوفر للإدارة العامة القدرة أو الإمكانية على اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات
ومن هنا ظهرت فكرة الشخصية المعنوية التي يقصد بها: "...مجموعة من الأفراد أو الأشخاص، تستهدف غرضا معينا، أو مجموعة من الأموال ترصد لتحقيق هدف معين، يعترف لها المشرع بالشخصية القانونية، أي أهلية اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات، بحيث ينظر إليها كوحدة واحدة مجردة عن الأفراد أو العناصر المالية المكونة لها...".
على أن البحث في مفهوم الشخصية المعنوية يؤدي إلى دراسة طبيعتها (الفرع الأول)، ثم تحديد عناصرها (الفرع الثاني)، وأخيرا التطرق إلى أنواعها (الفرع الثالث).
الفرع الأول: طبيعة الشخصية المعنوية
إن الحديث عن طبيعة الشخصية المعنوية يؤدي إلى الخوض في الآراء الفقهية المختلفة التي قيلت بشأنها (أولا)، ثم إلى تقييم هذه الآراء (ثانيا).
أولا: موقف الفقه من الشخصية المعنوية
يرى بعض الفقهاء أن الشخصية المعنوية ذات طبيعة حقيقية (I)، في حين يرى آخرون بأنها مجرد افتراض أو مجاز (II)، وذهب فريق ثالث إلى إنكار الشخصية المعنوية تماما (III).
I) الشخصية المعنوية حقيقية
يرى أصحاب هذا الرأي، بأن الشخصية المعنوية واقعة حقيقية تفرض نفسها على المشرع فالشخص المعنوي هو من الحقائق المعنوية المجردة، فليس من الضروري أن تتجسد الحقائق القانونية في شكل مادي، فحين يجتمع عدد من الأفراد مستهدفين غرضا مشتركا فإنه يتكون شعور وٕإرادة جماعية مستقلة عن إرادة الأفراد المكونين لهذه المجموعة.
ولتدعيم رأيهم، فإن أنصار هذا الاتجاه يركزون على مسألة أساسية هي وجوب التفرقة بين المعنى اللغوي لكلمة حق التي تدل على الإنسان، والمعنى الاصطلاحي لها، والتي تدل على كل كائن أهلا لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن الحق - حسب أنصار هذا الاتجاه- لا يعني قدرة إرادية، بل هو مصلحة يحميها القانون.
II) الشخصية المعنوية مجرد افتراض أو مجاز
يرى أصحاب هذه النظرية بأن الشخصية المعنوية مجرد مجاز أو افتراض قانوني، وأن الإنسان وحده من يتمتع بالشخصية الحقيقية وهو الوحيد من يتمتع بالحقوق والإرادة التي تؤهله لاكتسابها، ويتحمل بموجبها الالتزامات، بينما الشخصية المعنوية تعد من قبيل الافتراض، فالمشرع هو من يضفي هذه الصفة على مجموعات الأشخاص والأموال متى أرى أن فيها فائدة اجتماعية أو اقتصادية تحقيقا للمصالح العامة.
III) الفقه المنكر للشخصية المعنوية
بالموازاة مع الاتجاهين السابقين، ظهر فريق آخر من الفقهاء ينكر تماما فكرة الشخصية المعنوية، إذ يرى أصحاب هذه النظرية أن فكرة الشخصية المعنوية ليست لها فائدة ترجى منها، كما أنها منعدمة الأساس القانوني، وبذلك يقولون بفكرة الملكية المشتركة، التي تقوم على أساس أن مجموعة من الأشخاص الطبيعيين الذين ينشأ من أجلهم عمل، إنما يملكونه والأموال الخاصة به ملكية مشتركة.
فيكون ذلك المال مملوكا للجماعة وكأنها فرد واحد. بحيث لا يمكن لأي منهم التصرف بهذا المال المملوك ملكية مشتركة، بل يجب لمشروعية التصرف أن يتصرفوا به جميعا باعتباره مالا مملوكا لهم جميعا.
ثانيا: نقد الآراء الفقهية التي قيلت بشأن الشخصية المعنوية
بداية يجب استبعاد الاتجاه الثالث المنكر أساسا لفكرة الشخصية المعنوية، لأنه لم يأت ببديل حقيقي لهذه الفكرة، بل اقتصر على النظر إلى الأغراض المالية كنتيجة أساسية ووحيدة للأشخاص المعنوية، مع أن هذه الأغراض لا تمثل سوى نتيجة من عدة نتائج أخرى. فلا يمكن القول بأن الدولة لا تمثل إلا مجموعة من الأموال مملوكة ملكية مشتركة لجميع مواطنيها، لأن الدولة تهدف في الحقيقة إلى أغراض أخرى أرفع منزلة من ذلك.
أما الاتجاه الثاني الذي يعتبر أن الأشخاص المعنوية ما هي إلا مجاز، فإنه منتقد، وبالتالي لا يصلح لأن يكون أساسا لفكرة الشخصية المعنوية. على أن أهم الانتقادات الموجهة له تتمثل فيما يلي:
1- إنه لا يفسر أساس شخصية الدولة، أي لا يوضح من الذي أسبغ على الدولة الشخصية المعنوية، ما دام أن وجودها سابق على القانون. فإذا كانت الشخصية المعنوية مرتبطة بإرادة المشرع – كما ذهب إلى ذلك أنصار الاتجاه الثاني - فمن الذي منح الدولة شخصيتها القانونية، ما دام أن المشرع لم يكن موجودا قبل وجود الدولة؟.
2- لا يبين هذا الاتجاه المالك الحقيقي لأموال الشخص المعنوي، ما دام أن هذا الأخير ليس حقيقة بل مجرد مجاز -كما قال أنصاره- لا وجود له في الواقع.
3- يترتب على هذا الاتجاه عدم إمكانية مساءلة الشخص المعنوي مدنيا أو جزائيا، طالما انه منعدم الإرادة الذاتية.
أما الاتجاه الأول الذي يعتبر أن الشخص المعنوي حقيقة، فإنه منتقد كذلك.
وفي هذا الصدد يقول الفقيه Jèze: "لم أُقابل يوما ما الدولة، ولم أتناول الطعام في حياتي مع شخص معنوي". ومعنى ذلك أن الأشخاص المعنوية لا تعد حقيقة قائمة.
والواقع أن مثل هذا القول كما أشار إليه جانب من الفقه ينطوي على قدر من الحقيقة، ومرد ذلك أن كلمة "شخص حقيقي" قد توحي بالتجسيد المادي لهذا الشخص، وهو ما يخالف الواقع فيما يتعلق بالأشخاص المعنوية. ومن هنا لا يمكن تأييد الاتجاه القائل بأن الشخصية المعنوية هي حقيقة كائنة، كما لا يمكن من جهة أخرى تأييد الاتجاه القائل بأن الشخصية المعنوية هي مجاز.
فالحقيقة أن الشخصية المعنوية، ما هي إلا مجرد صياغة فنية أو قانونية ،تعني مجموعة من الأموال أو الأشخاص، تستهدف تحقيق غرض معين مستقل عن أغراض أو مصالح عناصر تكوينها. فالشخص القانوني ما هو إلا مركز لمصالح محمية قانونا.
الفرع الثاني: عناصر الشخصية المعنوية
لابد لقيام الشخص المعنوي من توافر عنصر شكلي (أولا) وعناصر موضوعية (ثانيا).
أولا: العنصر الشكلي
يتمثل العنصر الشكلي للشخصية المعنوية في الاعتراف بوجودها من طرف السلطة المختصة وبالوسيلة القانونية اللازمة والسلطة المختصة هنا تتمثل في المشرع الذي يعترف إما صراحة أو ضمنيا بوجود الشخصية المعنوية.
وتجدر الإشارة إلى أن الاعتراف الصريح قد يكون اعترافا خاصا أو اعترافا عاما. فأما الاعتراف الخاص الصريح، فإنه ينصب على هيئة أو جماعة معينة بالذات، ومثال ذلك ما جاء في المادة الأولى من قانون البلدية "البلدية هي الجماعة الإقليمية القاعدية للدولة. وتتمتع بالشخصية المعنوية والذمة المالية المستقلة. وتحدث بموجب قانون". والمادة الأولى من قانون الولاية "الولاية هي الجماعة الإقليمية للدولة. وتتمتع بالشخصية المعنوية والذمة المالية المستقلة. وهي أيضا الدائرة غير الممركزة للدولة ...". أما الاعتراف العام الصريح، ففيه يضع المشرع المبادئ التي يجب أن تتوافر في جماعة ما لاكتساب الشخصية المعنوية.
أما الاعتراف الضمني، فهو الذي يمكن أن يستفاد من النصوص القانونية المنظمة للأشخاص القانونية.
ثانيا: العناصر الموضوعية
تتمثل العناصر الموضوعية للشخصية المعنوية فيما يلي:
1- يقوم الشخص المعنوي على مجموعة من الأشخاص أو الأموال، وقد يقوم على مجموعة الأشخاص والأموال في وقت واحد، فالبلدية مثلا هي مجموعة الأفراد والممتلكات التابعة لها.
2- وجود مصالح مشروعة تحتاج إلى حماية القانون، بمعنى أن الشخص المعنوي يجب أن يهدف من وراء نشاطه إلى تحقيق غرض مشروع يسمح به القانون.
3- مبدأ تخصص الشخص المعنوي، أي أن وجوده يهدف إلى تحقيق غرض محدد، وأن يكون ذلك الغرض مستمرا لا يمكن تحقيقه دفعة واحدة.
الفرع الثالث: أنواع الشخصية المعنوية
بالرجوع إلى نص المادة 49 من القانون المدني 192، يتضح بأن هناك نوعين من الأشخاص المعنوية: الأشخاص المعنوية الخاصة (أولا) والأشخاص المعنوية العامة (ثانيا).
أولا: الأشخاص المعنوية الخاصة
الأشخاص المعنوية الخاصة هي كل شخصية معنوية خاضعة لأحكام القانون الخاص كالشركات المدنية والشركات التجارية والجمعيات والمؤسسات الخاصة.
ثانيا: الأشخاص المعنوية العامة
وتسمى كذلك بأشخاص القانون العام والتي تتمثل في كل من: الدولة (I) والأشخاص المعنوية العامة الإقليمية (II)، والأشخاص المعنوية العامة المرفقية أو المصلحية (III).
I) الدولة:
تعد الدولة أهم الأشخاص المعنوية العامة، ولهذا فقد نصت المادة 49 من القانون المدني على الشخصية المعنوية للدولة قبل أي شخص معنوي آخر.
وتجدر الإشارة إلى أن الشخصية المعنوية للدولة لا تحتاج إلى نص دستوري أو قانوني لتقريرها، إذ أن شخصية الدولة تتقرر تلقائيا وبالضرورة متى توافرت الأركان من سلطة وشعب وٕإقليم، وهذا دون الحاجة إلى اعتراف دولي بها لثبوتها، ذلك أن الاعتراف الدولي مجرد شرط للدخول في علاقات دولية خارجية وليس ركنا من أركان الدولة. كما أن الدولة كشخصية معنوية عامة تشكل تقسيما لوحده، وذلك لأنها هي التي تمنح باقي المجموعات الشخصية المعنوية، وعلى هذا لا يمكن المقارنة بين الدولة وبين باقي أشخاص القانون العام، ذلك أن المقارنة تكون بين فئتين أو طائفتين من نفس المستوى. وعليه وبالنتيجة فإن الدولة كشخص معنوي عام متميزة عن باقي الأشخاص المعنوية العامة.
II) الأشخاص المعنوية العامة الإقليمية
إن الأشخاص المعنوية العامة الإقليمية في الدولة هي الولاية والبلدية، والتي تجسد بمجالسها المنتخبة فكرة الديمقراطية التي تسمح لكل إقليم من أقاليم الدولة أن يدير شؤونه المحلية.
وبالتالي فإن النظام الإداري الجزائري لا يعرف أشخاص معنوية عامة إقليمية أخرى، ذلك أن المادة 16 من الدستور الجزائري لسنة 1996 قد عددتها على سبيل الحصر لا المثال.
III) الأشخاص المعنوية العامة المرفقية أو المصلحية
الأشخاص المعنوية العامة المصلحية أو المرفقية عبارة عن "... أشخاص معنوية يتحدد اختصاصها بالغرض الذي تستهدفه، أي يقتصر نشاطها على الهدف الذي أنشئت من أجله...". وهي ما يعرف كذلك بالمؤسسات العامة الإدارية التي تعد تجسيدا لنظام اللامركزية المصلحية أو المرفقية، الذي يعتبر أحد صور اللامركزية الإدارية على النحو الذي سيتم توضيحه عند التطرق لأساليب التنظيم الإداري.
وزيادة على هؤلاء الأشخاص المعنوية العامة هناك من الفقه من يضيف المنظمات المهنية الوطنية والتي يقصدون بها كل: "... هيئة تشرف على تأطير مهنة معينة مبنية على التخصص العلمي، تعمل على تنميتها وتطويرها باعتبارها خدمة عمومية، وتمثّلها لدى الغير من أفراد وسلطات عمومية، وتتمتع في سبيل ذلك بالشخصية الاعتبارية وبعض مظاهر امتيازات السلطة العامة باعتبارها مرفقا عموميا متخصصا...". ومن أمثلتها في الجزائر الاتحاد الوطني لمنظمات المحامين، المنظمات الجهوية للمحامين، المنظمة الوطنية للخبراء المحاسبين ومحافظي الحسابات والمحاسبين المعتمدين، هيئة المهندسين الخبراء العقاريين، نقابة المهندسين المعماريين،إلى غير ذلك من المنظمات المهنية.
على أن تصنيف المنظمات المهنية الوطنية ضمن طائفة أشخاص القانون العام واعتبارها مرافق عامة متخصصة، مسألة تحتاج إلى نظر، وذلك راجع لكون هذه المنظمات تنتمي إلى طائفة الأشخاص الخاصة ولكنها تقوم ببعض الأعمال التي تشبه ما يقوم به المرفق العام، كإصدار بعض القرارات الإدارية، مما جعل المشرع يعطي الاختصاص بنظر المنازعات المتعلقة ببعض أعمالها للقضاء الإداري. وبمفهوم المخالفة، فإن ما لم يعط للقضاء الإداري بصريح النص، يبقى من اختصاص القاضي العادي.
المطلب الثاني: النظام القانوني للشخصية المعنوية
سيتم الحديث في هذا المبحث عن النتائج المترتبة على ثبوت الشخصية المعنوية (الفرع الأول)، وعن انقضاء الشخص المعنوي (الفرع الثاني).
الفرع الأول: النتائج المترتبة على منح الشخصية المعنوية
بالرجوع إلى نص المادة 50 من القانون المدني، يتضح بأن المشرع قد حدد جملة من الآثار القانونية الناتجة عن ثبوت الشخصية المعنوية، والمتمثلة في:
الاستقلال الإداري والمالي للشخص المعنوي تجاه الدولة (أولا)، الذمة المالية المستقلة للشخص المعنوي (ثانيا)، الأهلية القانونية للشخص المعنوي (ثالثا)، حق التقاضي (رابعا).
أولا: الاستقلال الإداري والمالي
ويترتب على هذا الاستقلال، انفصال موظفي الشخص المعنوي عن موظفي الدولة، وخضوعهم فيما يتعلق بتعيينهم، وترقيتهم، وتأديبهم لنظم خاصة بهم، وٕإن كان ذلك لا يمنع من خضوعهم للقانون الأساسي العام للوظيفة العامة، وذلك فيما لم يرد بشأنه نص في نظمهم الخاصة. على أن هذا الاستقلال لا يفقدهم صفتهم كموظفين عموميين، لأن علاقاتهم بالدولة تبقى علاقة تنظيمية، كما تطبق عليهم أحكام قانون العقوبات بالنسبة للجرائم التي يرتكبونها.
ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن استقلال الأشخاص المعنوية عن الدولة لا يعد استقلالا مطلقا، لأن هذه الأشخاص تبقى خاضعة - رغم تمتعها بالشخصية المعنوية - لرقابة الدولة. أي أن استقلالية الشخص المعنوي مقيدة بالحدود التي رسمها القانون المنشئ لهذه الهيئات الإدارية، بحيث تبقى خاضعة لرقابة الدولة وٕإشرافها عن طريق نظام الوصاية الإدارية أو ما يسمى كذلك بالرقابة الإدارية.
أما بالنسبة للاستقلال المالي للشخص المعنوي العام، فيعني أن يتكفل هو بذاته بعملية إقرار كل النشاطات المتعلقة بميزانيته من إيرادات ونفقات، أي أن يتكفل بإجراءات التسيير المالي.
ثانيا: الذمة المالية المستقلة
يتمتع الشخص المعنوي العام، بذمة مالية مستقلة عن الدولة من جهة، وعن الذمة المالية لموظفيه من جهة أخرى، فالديون التي تترتب عليه مثلا، لا يجوز أن تلقى على عاتق موظفيه، والعكس كذلك صحيح.
ثالثا: الأهلية القانونية
ومفاد ذلك، أنه باستطاعة الشخص المعنوي أن يباشر جملة من التصرفات القانونية، وعلى الخصوص إبرام العقود التي يستلزمها النشاط الذي يقوم به. على أن يتولى الممثل القانوني للشخص المعنوي إبرام هذه العقود نيابة عنه، طبقا لما تقتضيه النصوص القانونية في هذا الصدد. كما يجوز للشخص المعنوي أن يقبل الهدايا والهبات والوصايا، وذلك في الحدود التي ترسمها النصوص القانونية
رابعا: حق التقاضي أو أهلية التقاضي
المقصود بحق التقاضي بالنسبة للشخص المعنوي، إمكانية هذا الأخير رفع الدعاوى التي يراها مناسبة لحماية مصالحه وحقوقه، عن طريق ممثله القانوني، وفي هذه الحالة يكون الشخص المعنوي مدعيا.
كما يقصد بذلك، إمكانية إقامة الدعاوى وقبولها ضد الشخص المعنوي ممثلا بواسطة ممثله القانوني، وفي هذه الحالة يكون مدعى عليه.
وفي هذا الصدد نصت المادة 828 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على ما يلي: "مع مراعاة النصوص الخاصة، عندما تكون الدولة أو الولاية أو البلدية أو المؤسسة العمومية ذات الصبغة الإدارية طرفا في الدعوى بصفة مدعي أو مدعى عليه، تمثل بواسطة الوزير المعني، الوالي، رئيس المجلس الشعبي البلدي على التوالي، والممثل القانوني بالنسبة للمؤسسة ذات الصبغة الإدارية".
الفرع الثاني: انقضاء الشخصية المعنوية
إن انقضاء الشخص المعنوي مرتبط بزوال أحد عناصر وجوده (أولا). على أن الإشكال الذي يطرح لمن تؤول أموال الشخص المعنوي بعد انقضائه؟ (ثانيا).
أولا: أحوال انقضاء الشخص المعنوي
مصير الشخص المعنوي كمصير الشخص الطبيعي مآله الزوال، فالشخصية المعنوية عموما تنقضي بفقدان أحد العناصر المكونة لها، كما يمكن أن تنقضي لعدة أسباب أخرى، والتي يمكن إجمالها فيما يلي:
1) انتهاء الأجل: ويقصد بذلك انتهاء الأجل المخصص للشخصية المعنوية إذا كان محددا، أو بتحقيق الغرض الذي أنشئت من أجله.
2) الحل الإتفاقي: والذي يتحقق في حالة اتفاق الأعضاء المؤسسين للشخصية المعنوية، أي بإرادتهم.
3) الحل الإداري: وهو ذلك الحل الذي يستند على قرار إداري صادر عن السلطة الإدارية المختصة.
4) الحل القضائي: أي ذلك الحل الذي يكون بموجب حكم أو قرار قضائي.
وبالإضافة إلى طرق انقضاء الشخص المعنوي بصفة عامة، والتي تمت الإشارة إليها أعلاه، فإن أشخاص القانون العام تنفرد في هذا الصدد بالأحكام التالية:
فبالنسبة للدولة: تنقضي شخصية الدولة بزوال ركن أو أكثر من أركانها، أو بفنائها كلية، كما لو تم إدماجها في دولة أخرى، أو تفككت إلى دويلات.
أما بالنسبة للأشخاص الإقليمية: تنقضي شخصيتها القانونية بنفس الأسلوب الذي نشأت به، أو بأسلوب أقوى. ففيما يتعلق بالبلدية، أو بالولاية، يتم إلغاؤها بموجب قانون صادر عن البرلمان.
وبخصوص الأشخاص المصلحية أو المرفقية: تنقضي شخصيتها بنفس الطريقة التي نشأت بها، وذلك إما بسحب شخصيتها وتصبح مصلحة تابعة للهيئة التي كانت تابعة لها قبل منحها الشخصية المعنوية. وقد يتحقق ذلك بالاستغناء عن خدماتها. وأخيرا قد يتم هذا الانقضاء بإدماج الهيئة المراد إلغاؤها في هيئة أخرى، وبتقسيمها إلى عدة أشخاص معنوية.
ثانيا: مصير أموال الشخص المعنوي بعد انقضائه
من المؤكد أن للأشخاص المعنوية-سواء الخاصة أو العامة، إقليمية كانت أم مصلحية - مالا معينا. ومن المؤكد كذلك أن هذا المال ليس مباحا، بل مخصص لتحقيق الغرض الذي أنشئ الشخص المعنوي من أجله. فإذا انقضى هذا الشخص ،فما هو مصير أمواله؟
إن الحلول الممكنة تتمثل فيما يلي:
1- إذا وجد نص قانوني يبين كيفية التصرف في أموال الشخص المعنوي بعد انقضائه، وجب تطبيق ذلك النص.
2- وفي حالة ما إذا لم يوجد مثل ذلك الحل في النصوص القانونية، وٕإنما وجد في القانون الأساسي للشخص المعنوي، وجب أخذ الحل من القانون الأساسي، طالما أن النص مشروع.
3- وفي حالة عدم وجود النص على الإطلاق، لا في النصوص القانونية، ولا في القانون الأساسي المنظم للشخص المعنوي، وجب النظر إلى الغرض الذي أنشئ من أجله الشخص المعنوي. فإذا كان غرضه تحقيق الربح، وجب توزيع الأموال على أعضائه. أما إذا لم يكن غرضه الربح، فإن أمواله يجب أن تذهب إلى أقرب شخص يحقق نفس الغرض.
أما بالنسبة للأشخاص المعنوية المرفقية، فبعد زوال شخصيتها المعنوية، سواء بإلغائها، أو بسحبها، فإن أموالها تؤول إلى الجهة التي كانت تتبعها قبل منحها الشخصية المعنوية. أما إذا تم إدماجها في هيئة أخرى، فإنه من الطبيعي أن تؤول أموالها إلى هذه الهيئة الأخيرة.
مبدأ المشروعية الإدارية
تمهيد:
يعتبر مبدأ المشروعية الإدارية الضمانة الأساسية لحماية وصون حقوق الأفراد وحرياتهم من تجاوزات السلطة العامة وتعسفها، ويقصد به الخضوع التام للقانون سواء من جانب الأفراد أو من جانب السلطة العامة، وهو ما يعبّر عنه بخضوع الحاكمين والمحكومين للقانون وعلو أحكامه وقواعده على المحكوم والحاكم،على نحو تكون تصرفات هذه الهيئات وأعمالها وعلاقاتها المختلفة متفقة مع أحكام القانون وضمن إطاره.
فيتعين على جميع السلطات الإدارية وهي بصدد مباشرة أوجه نشاطاتها ضرورة الالتزام بالخضوع لما تقتضي به تلك القواعد القانونية من أحكام، وٕإلاّ اتسمت تصرفاتها بعدم المشروعية وأصبحت بالتالي محلا للإلغاء المقرر قانونا.
ولقد أكد الفقه القانوني بالإجماع على أن مبدأ المشروعية هو معيار التفرقة بين دولة القانون والدولة الاستبدادية، ويجمع الفقه كذلك على أن هذا المبدأ بما يعنيه من خضوع الإدارة العامة في الدولة للقانون يمثل الحاجز الذي يحمي حقوق وحريات الأفراد في مواجهة السلطات العامة.
و يمتد سريان مبدأ المشروعية الإدارية ليشمل كل مصادر المشروعية من قواعد مكتوبة فيشمل التشريع لما يحتويه من قواعد متدرجة من حيث القوة والإلزام من قواعد دستورية تشريعية وتنظيمية، ومصادر غير مكتوبة وتشمل العرف والمبادئ العامة للقانون (المطلب الأول)، إلا أن مبدأ المشروعية الذي تقوم عليه أعمال الإدارة لا يعتبر مبدأً مطلقًا بل يجوز أن ترد عليه بعض الاستثناءات، لتيسير السبيل أمام الإدارة في تحقيق النفع العام، حيث يضيق العمل بمبدأ المشروعية ويتعذر حينها على القضاء ممارسة رقابته على أعمال الإدارة (المطلب الثاني).
المطلب الأول: مصادر المشروعية الإدارية
يجد مبدأ المشروعية الإدارية أحكامه وقواعده في مصادر متنوعة ومتعددة وتنقسم إلى مصادر مكتوبة ومصادر غير مكتوبة، وعليه يتعين تبيان أهم المصادر المكتوبة التي تشكل أساسا قانونيا للمشروعية الإدارية (الفرع الأول)، ثم إظهار المصادر غير المكتوبة التي تجسد المشروعية الإدارية (الفرع الثاني).
الفرع الأول: مصادر المشروعية المكتوبة
يقصد بالمصادر المكتوبة مجموعات مدونة تحتوي على قواعد قانونية ملزمة تتفاوت في درجة قوتها القانونية وتتمثل هذه المصادر المكتوبة في الدستور (أولا)، المعاهدات الدولية (ثانيا)،التشريعات العادية (ثالثا) والتنظيمات (رابعا)
أولا: الدستور (التشريع الأساسي)
تشكل القواعد الدستورية القانون الأعلى أو الأسمى في الدولة، ذلك أنها تتعلق بنظام الحكم في الدولة، فهي التي تحدد شكل نظام الحكم في الدولة، وتبين السلطات الأساسية في الدولة تشريعية تنفيذية وقضائية، وكذلك كيفية مباشرة كل من هذه السلطات لاختصاصاتها وعلاقة كل منها بالأخرى، كما تبين حقوق الأفراد وحرياتهم، وهي موضوعة من قبل السلطة التأسيسية. ولهذا فهي تمثل الإطار القانوني العام الذي تدور أو يجب أن تدور في فلكه جميع أوجه النشاط القانوني في الدولة، مما يجعل لها مكان الصدارة على سائر القواعد القانونية الأخرى.
ومادام الدستور هو الذي أوجد السلطات الأساسية للدولة، وهو الذي يحدد اختصاصاتها فليس لأي منها أن تخرج عليه، حيث أنها تستمد وجودها منه وشرعيتها من نصوصه وبالتالي تعد نصوص الدستور الأساس لكل قاعدة قانونية تليها في المرتبة بما يحقق الانسجام في البناء القانوني للدولة، بمعنى لا بد أن يتقيّد التشريع الأدنى بالتشريع الأعلى ولا يجوز أن يتعارض القانون مع القواعد الدستورية، بحيث إذا ما خالفت قاعدة ما الحدود التي رسمها الدستور كانت مخالفة لمبدأ المشروعية.
لقد تم تأكيد مبدأ المشروعية في صلب الدستور الجزائري حيث نصت المادة 158 منه على "أساس القضاء مبادئ الشرعية والمساواة " كما أكدت المادة 161 من الدستور على أن "ينظر القضاء في الطعن في قرارات السلطات الإدارية".
وهكذا يصبح من الواجب على جميع السلطات في الدولة ضرورة الالتزام و التقيّد بقواعد الدستور، ومن ثم عدم الخروج على ما تقرره من أحكام وذلك فيما تباشره من مهام واختصاصات ومعنى ذلك أنه يجب على السلطة التشريعية أن تتقيّد بها فيما تصدره من تشريعات، ويجب على السلطة القضائية احترامها في مجال الدعاوى التي تطرح أمامها، كما يتعين على السلطة الإدارية كذلك التقيّد بتلك القواعد فيما تجريه من تصرفات وأعمال، وٕإلا عدّت هذه الأعمال وتلك التصرفات غير مشروعة.
ولقد ثار الخلاف في الفقه بشأن القيمة القانونية لديباجة الدستور والتي تحتل مقدمة الدستور وتأتي قبل استعراض مواد الدستور بصفة تفصيلية، والتي غالبا ما تحتوي على الإيديولوجيات والفلسفات التي يتبناها الدستور والغايات والطموحات التي يستهدف تحقيقها فذهب رأي من الفقه إلى اعتبار أن الأحكام التي جاءت بها مقدمات الدساتير لا تعتبر قواعد قانونية ملزمة وٕإنما هي بمثابة مبادئ عامة ذات قيمة سياسية أو فلسفية بحتة.
وهناك جانب أخر من الفقه ذهب إلى اعتبار مقدمة الدستور لها قيمة قانونية تعلو على النصوص الدستورية ذاتها، انطلاقا من أنها تعد تعبير عن الإرادة العليا للأمة تحتوي على المبادئ الأساسية والأهداف العامة وترسم الإطار العام للنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة، في حين ذهب جانب أخر من الفقه إلى اعتبار مقدمة الدستور تأخذ نفس القوة القانونية التي تتمتع بها الدستور النصوص الدستورية، انطلاقا من أنها تعبر عن إرادة السلطة التأسيسية ومن ثم فإن للديباجة من قدسية وحصانة ما تتمتع به النصوص الدستورية.
ومن هذا المنظور فإن لديباجة الدستور نفس القيمة القانونية لنصوصه، حيث لا يمكن فصلها عن القواعد الموضوعية فهي جزء أساسي في الوثيقة الدستورية وتتمتع بذات الحجية.
ثانيا: المعاهدات الدولية
تعتبر المعاهدات الدولية مصدرا لمبدأ المشروعية الإدارية وهذا بعد أن يتم التصديق عليها من جانب السلطة المختصة داخل الدولة، وفور التصديق عليها تصبح المعاهدة جزءا من التشريع الداخلي، بل إن بعض الدساتير كالدستور الجزائري يعترف لها بطابع السمو على القانون وهو ما أقرت عليه المادة 150 من الدستور والتي جاء نصها كما يلي: "المعاهدات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية، حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور، تسمو على القانون."
إن سمو المعاهدة الدولية على القانون تجعل سلطات الدولة ملزمة بالتقيّد والالتزام بأحكامها عند القيام باختصاصاتها وٕإلا اتسمت بعدم المشروعية، وأصبحت بهذه المثابة المشروعية محلا للطعن أمام الجهة المختصة بتصحيح الوضع الخاطئ ومن ثم حماية مبدأ المشروعية.
وعليه فإن بعد عملية التصديق ونشر المعاهدة الدولية في الجريدة الرسمية، يلتزم القاضي الإداري بتطبيق نصوصها، بحيث يمكن اعتبار قرارات الإدارة المخالفة للمعاهدة الدولية عملا غير مشروعا، لأن المعاهدة الدولية في هذه الحالة لها قوة القانون بل تعد أسمى منه.
ثالثا: التشريعات العادية
التشريعات العادية هي التي تقوم بوضعها السلطة صاحبة الاختصاص الأصيل في ممارسة الوظيفة التشريعية، وذلك في حدود اختصاصها وطبقا للإجراءات التشريعية المنصوص عليها، ويقصد بالتشريع في هذا المجال مجموعة القواعد القانونية التي تقررها السلطة المختصة بالتشريع في الدولة وفقا لأحكام الدستور، وتهدف تلك القواعد في الغالب إلى بيان تحديد الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الدولة.
ولهذا فإنه يجب علي الإدارة أيضا أن تحترم وتلتزم بالحدود المرسومة لها في النصوص الدستورية تحت طائلة مسؤولية خرقها لمبدأ المشروعية، وهذه القواعد تأتي في المرتبة التالية للقواعد الدستورية، ويقع على عاتق الحكام والمحكومين الخضوع لها والتقيّد بأحكامها، فهي إذًا قواعد عامة وشاملة في إلزامها لمختلف الهيئات العامة والخاصة والأفراد وبالتالي يمكن تحقيق العدل واستقرار النظام وسيادة مبدأ المشروعية في الدولة. وتشمل التشريعات العادية كل من القوانين الصادرة من البرلمان صاحب الحق الأصلي في المجالات التي خولها له الدستور وكذا الأوامر الصادرة من رئيس الجمهورية.
وفي إطار الحفاظ على مبدأ المشروعية، يجب على الإدارة العامة في مختلف مستوياتها أن تلتزم بما تضعه السلطة التشريعية من قوانين في المجالات التي يخولها إياها الدستور، وحتى تتقيد الإدارة العامة بالقوانين يجب أن تكون تلك القوانين مطابقة للدستور.
فتلتزم السلطة الإدارية بما تتضمنه القوانين من قواعد وأحكام في كل من أعمال وتصرفات قانونية حتى تكون هذه الأعمال صحيحة ومشروعة، فإذا ما أصدرت الإدارة عملا من الأعمال القانونية المخالفة لحكم من أحكام القانون، فإن هذا العمل يعتبر غير مشروع ويحكم بإلغائه عند الطعن فيه أمام القضاء الإداري أو التعويض عما تحدثه من أضرار للأفراد.
رابعا: التنظيمات
عبارة عن قرارات تنظيمية تتضمن قواعد عامة ومجرّدة ولا تخص مركزا بذاته، تصدر عن الجهة الإدارية المختصة وتشترك اللائحة مع القانون في أن كل منها يصدر بشكل عام ومجرّد، ويختلفان من زاوية التدرج أو الحجية. فاللوائح تحتل مكانة أدنى من التشريع العادي، وهي تنقسم إلى تنظيمات مستقلة تأخذ شكل مراسيم رئاسية وأخرى تنظيمات تنفيذية تأخذ شكل المراسيم التنفيذية.
تكتسب التنظيمات الطابع التشريعي من الناحية الموضوعية، وتكون عملا إداريا من حيث النظر إلى الجهة المصدرة لها وهي السلطة التنفيذية، مما يجعل القرارات الإدارية التنظيمية أحد عناصر البناء القانوني للدولة، وبالتالي مصدرا من مصادر المشروعية الإدارية، حيث تأتي في المرتبة الثالثة بعد النصوص الدستورية والتشريعات البرلمانية في سلم التدرج القانوني.
الأمر الذي يجعل من واضعي النصوص التنظيمية ملزمين بالتقيّد بأحكام القواعد القانونية التي تعلوها في الدرجة من حيث الشكل والمضمون، وٕإلا أصبحت محلا للطعن أمام القضاء حماية لمبدأ المشروعية الإدارية. كما أن الإدارة ملزمة بأحكام النصوص التنظيمية الصادرة عنها وبالتالي لا يجوز لها إصدار قرارات فردية مخالفة لها تحت طائلة عدم مشروعيتها.
وبهذا فإن التنظيمات تعمل في إطار النصوص الدستورية والتشريعات العادية وفقا لمبادئها، وٕإذا مـا خالفـت ذلـك اتسـمت ووصـفت بعـدم المشـروعية، وبالتـالي أصـبحت عرضة للمخاصمة والإلغاء من طـرف الجهـات المختصـة والتعـويض عـن الأضـرار التـي سببتها.
الفرع الثاني: مصادر المشروعية غير المكتوبة
يتخذ مبدأ المشروعية من المصادر غير المكتوبة مصدرا لقواعد المشروعية في حالة عدم وجود قواعد مكتوبة، فإلى جانب المصادر المكتوبة التي بيّناها في الفرع الأول لمبدأ المشروعية توجد مصادر غير مكتوبة والتي تتمثل في العرف (أولا) والمبادئ العامة للقانون (ثانيا).
أولا: العرف
يعتبر العرف من أقدم مصادر القانون بصفة عامة، فإذا كان دور العرف لم يعد يحتل كما كان في الماضي تلك الأهمية، حيث انتشرت حاليا ظاهرة القواعد القانونية المكتوبة، إلا أنه لازال رغم ذلك يلعب دوار هاما وأساسيا في هذا الخصوص، إذ هناك قواعد عرفية دستورية وقواعد عرفية تجارية وقواعد عرفية إدارية ومما يؤكد تلك الأهمية اعتداد القانون الوضعي به، والنص على اعتباره مصدرا منشئا للقواعد القانونية في المجتمع.
يعرف العرف بصفة عامة بأنه مجموعة القواعد الناجمة عن الاستعمال الراسخ المتأصل في مجتمع ما والواجبة الاحترام واللازمة التطبيق كالقانون فهو يشمل قاعدة حقوقية عامة ومجردة نابعة عن تعامل الناس بشكل ثابت ومطرد.
وما يهمنا في الدراسة هو العرف الإداري الذي يعبّر عن سلوك الإدارة المطرد في مسألة معينة على نحو معين فترة من الزمن بحيث تصبح الإدارة والمتعاملون معها ملزمين باحترام القاعدة المتولدة عن ذلك السلوك، أي أنه نتيجة لسير الإدارة على نمط معين في عملها مع تكرار السير على هذه القاعدة بشكل منتظم ومستمر بما يرسخ الاعتقاد لدى الإدارة والأفراد بأنها قد أصبحت ملزمة وواجبة الإتباع.
يشترط لاعتبار العرف ملزما للإدارة أن يتوافر فيه شرطان وهما: المداومة على فعل معين من خلال الممارسة الإدارية وتفاعلها مع ظروف الواقع، أي الاعتياد وتكرار هذه الممارسة الإدارية، فإذا اتبعت إحدى الجهات الإدارية في الدولة سلوكا معينا فترة من الزمن ثم أعرضت عن إتباعه في فترة أخرى، لا نكون بصدد عرف إداري وهذا نتيجة غياب صفة التواتر والاستمرارية .ولذا يجب أن لا ينقطع اعتياد الإدارة في إتباع سلوك معين حتى لا يؤدي ذلك إلى عدم توافر المكوّن للركن المادي للعرف.
أما الشرط الثاني فهو أن يستقر في الأذهان الاعتقاد بضرورة احترام وتطبيق هذه القاعدة وتوقيع الجزاء بمعنى إلزامية القاعدة العرفية الإدارية، الأمر الذي يستوجب أن يكون العرف عاما وأن تطبقه الإدارة بصفة دائمة ومستمرة، وأن لا يكون العرف مخالفا لنص تشريعي نافذ، لأن القاعدة العرفية تأتي في المرتبة الثانية بعد القاعدة القانونية، ويستوي في ذلك أن تتخذ القاعدة القانونية صورة نص تشريعي أو تنظيمي أو قرر إداري أو أي نص قانوني مكتوب.
ومن هذا المنظور إذا توافر للعرف ما تقدم من شروط أصبح ملزما ووجب على الإدارة تطبيقه، وأصبح مصدرا من مصادر المشروعية الإدارية وذلك أمر يختص به القضاء الإداري وحده، فهو الذي يقرر ما إذا كانت القاعدة التي تتمسك بها الإدارة أو صاحب المصلحة في الدعوى المطروحة أمامه تعد من قبيل الأعراف الإدارية المستقرة أم لا.
ثانيا: المبادئ العامة للقانون
توجد إلى جوار القانون المكتوب في كافة مجتمعات العالم تقريبا مجموعة من القواعد القانونية غير المكتوبة يطلق عليها اسم المبادئ العامة للقانون المجسدة للأفكار الفلسفية والقيم الاجتماعية، القائمة في ضمير الجماعة والمهيمنة على الروح العامة للتشريع أو على النظام القانوني السائد في المجتمع ،يلجأ إليها القاضي عندما لا يجد حلا للنزاع المطروح أمامه في النصوص التشريعية الوضعية، ويستنبط منها ذلك الحل ويقرره في أحكامه فيكتسب بذلك قوة إلزامية، ومن ثم يصبح مصدرا من مصادر المشروعية.
ويقصد بالمبادئ القانونية العامة القواعد القانونية غير المكتوبة التي يقرها أو يستنبطها القضاء ضمنيا من واقع النظام القانوني في الدولة، ومن المفاهيم الأساسية السياسية والاقتصادية الاجتماعية والفكرية والروحية المعتمدة في المجتمع ،حيث يقررها القضاء في أحكامه، فتكسب قوة إلزامية وتصبح بذلك مصدرا من مصادر المشروعية، فهي مبادئ تمليها العدالة المثلى ولا تحتاج إلى نص يقررها وبذلك يتحتم على الإدارة احترام تلك المبادئ والعمل بمقتضى ما تقرره من أحكام وذلك فيما تتخذه من أفعال وتصرفات، وٕإلا كانت هذه الأفعال والتصرفات معيبة ووقعت باطلة لمخالفتها لمبدأ المشروعية ومن أمثلة تلك المبادئ : مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون أو أمام التكاليف العامة ومبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية ومبدأ الحرية الشخصية.
استقر الفقه والقضاء في كل من فرنسا ومصر والجزائر على أن للمبادئ العامة للقانون قوة قانونية ملزمة، وبالتالي يكون باطلا كل قرار أو إجراء تتخذه الإدارة العامة بالمخالفة لمبدأ من هذه المبادئ، كما أنها ليست كلها على درجة واحدة من القوة وٕإنما تختلف بحسب اختلاف المصدر الذي استقاها القضاء منه فإذا كانت هذه المبادئ تعتبر مماثلة في قوتها الإلزامية النصوص الدستورية، فإنه لا يجوز للسلطة التشريعية أن تخرج عن هذه المبادئ.
أما إذا كانت المبادئ العامة للقانون تستمد كيانها من مجموعة القواعد التشريعية المطبقة داخل الدولة، ففي هذه الحالة تأخذ المبادئ العامة للقانون قوة التشريع العادي ولا تعدل إلا بنص تشريعي.
ويكون لهذه المبادئ نفس القيمة القانونية التي تكون للمصدر التي تستقى منه، فإذا كان القاضي استخلص المبدأ القانوني العام من النصوص الدستورية كمبدأ المساواة فيكون لهذه المبادئ نفس القيمة التي تكون للدستور، ولا يجوز للسلطة التشريعية مخالفتها وهي بصدد سن القوانين، أما إذا كان القاضي استخلص المبدأ القانوني العام من مجموع النصوص التشريعية السائدة داخل المجتمع كمبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية أو مبدأ حجية الأحكام، فيكون لهذه المبادئ نفس القيمة التي تكون للتشريع العادي.
وعليه فإن المبادئ العامة في المجال الإداري التي يرسخها القضاء تستمد قوتها الملزمة من مجموع المبادئ المحددة في النصوص الدستورية، التشريعية والتنظيمية خاصة وأن هذه الأخيرة حوت الكثير من القواعد التي تهم الإدارة بشكل عام.
وهكذا نخلص إلى أن مصادر المشروعية تشمل كافة القواعد القانونية في المجتمع أيا كان مصدرها أي سواء كانت مكتوبة أم غير مكتوبة.
المطلب الثاني: قيود المشروعية الإدارية
تلتزم الإدارة مبدئيا القيام بأعمالها في حدود القوانين النافذة، أي طبقا لمبدأ المشروعية الذي يضمن للأفراد حماية حقوقهم ضد تعسف الإدارة، وتعد رقابة القاضي الإداري من أبرز صور الرقابة على السلطات العامة في الدولة وأكثرها ضمانا لحقوق الأفراد وحرياتهم. غير أنه لا يعني وجوب تقييد الإدارة في ممارسة وظائفها بقيود صارمة تمنع عليها الابتكار وتعرقل تحقيق الأهداف المطلوبة منها بما يؤدي إلى الإضرار بالنفع العام. فلا بد من منح الإدارة قدرا من الحرية في ممارسة نشاطها في سبيل تحقيق النفع العام، باختيارها للوسائل الأكثر ملائمة والوقت المناسب لمباشرة هذا التصرف متأثرة بالظروف التي تحيط بها وسالكة بذلك السبيل السليم لتحقيق الصالح العام على أفضل وجه.
وعلى هذا الأساس فإن مبدأ المشروعية الإدارية الذي تقوم عليه أعمال الإدارة لا يعتبر مبدأً مطلقا، بل يجوز أن ترد عليه بعض الاستثناءات لتيسير السبيل أمام الإدارة في تحقيق النفع العام، إذ يتخذ السبيل الذي تنتهجه الإدارة في تحررها من مبدأ المشروعية الصور الآتية: مباشرة السلطة التقديرية، وقيام الظروف الاستثنائية مع ممارسة أعمال السيادة.
يمنح المشرع للإدارة حق ممارسة السلطة التقديرية عند الضرورة وجعلها تخضع لرقابة القاضي الإداري، لكن هذه الرقابة مقيّدة لكونها تنصب على مبدأ المشروعية دون الجانب التقديري للإدارة (الفرع الأول)، أما في الظروف الاستثنائية فإن الإجراءات التي تتخذ في هذه الحالة تعتبر غير مشروعة وتكون رقابة القاضي الإداري على الإدارة في الظروف الاستثنائية ضيّقة النطاق (الفرع الثاني)، كما أن هناك أعمال صادرة من الإدارة تكون بمنأى من الرقابة القضائية بمعنى محصّنة من الرقابة القضائية والتي تدعى بأعمال السيادة (الفرع الثالث).
الفرع الأول: حدود سلطة القاضي الإداري في الرقابة على السلطة التقديرية للإدارة
بالرغم من تمتع القاضي الإداري بصلاحيات واسعة في رقابة أعمال الإدارة، إلا أنه في مقابل ذلك هناك العديد من القيود تجعل الرقابة القضائية تمارس في إطار ضيق، بحيث أن مبدأ المشروعية لا يؤدي إلى إضفاء الطابع الآلي على أعمال الإدارة فدواعي العمل الإداري تتطلب منح الإدارة هامشا متفاوتا من حرية التصرف في إجراء أو عدم إجراء العمل الإداري، الأمر الذي يستلزم منا تبيان مفهوم السلطة التقديرية (أولا)، ثم تبيان مدى رقابة القاضي الإداري للسلطة التقديرية للإدارة (ثانيا).
أولا: مفهوم السلطة التقديرية للإدارة
يقصد بالسلطة التقديرية للإدارة تمتعها بقسط من حرية التصرف عند مباشرة نشاطها، بحيث يكون للإدارة تقدير اتخاذ التصرف أو الامتناع عن اتخاذه أو اتخاذه على نحو معين، أو اختيار الوقت الذي تراه مناسبا للتصرف، فمثلا تتمتع الإدارة بقدر من الحرية فيما يخص قرارات الترقية فموقعها يؤهلها من معرفة المعني بالترقية وقدراته ومؤهلاته ومدى التزامه وأدائه الوظيفي، ولها أن تقدر عما إذا كان يستحق هذه الترقية من عدمها، كما تتمتع الإدارة بسلطة تقديرية في توقيع الجزاءات التأديبية وتكييف الأخطاء الوظيفية.
وتتمتع الإدارة بقدر من الحرية بخصوص تقييم كفاءة وأداء الموظف المعني عما إذا كان يستحق التثبيت في منصب عمله من عدمه، كما تتمتع الإدارة بسلطة تقديرية فيما يخص توزيع المهام بين الموظفين، وتنظيم المصالح ومنح الإجازات وسلطة التنقيط ووضع العلامات الخاصة بالموظفين.
وتختلف السلطة التقديرية عن السلطة المقيدة بكون هذه الأخيرة لا تترك للإدارة أي قدر من الحرية في التصرف، حيث يحدد لها سلفا الهدف وكيفية الوصول إلى هذا الهدف ومن ثم لا يكون أمامها إلا إتباع وتنفيذ الأوامر أو التعليمات المحددة لذلك وٕإلا كان تصرفها باطلا.
وعلى ذلك لمعرفة ما إذا كانت الإدارة تتمتع بسلطة تقديرية إزاء تصرف ما من عدمه يجب الرجوع إلى النظام القانوني الخاص بهذا التصرف، فإذا كان قد تخلى عن تنظيم جانب أو أكثر من جوانبه، كنّا بصدد سلطة تقديرية للإدارة فيما يتعلق بهذه الجوانب، أما إذا تولى بذاته تنظيم كافة جوانب هذا التصرف فإننا نكون بصدد سلطة مقيدة للإدارة، بمعنى إذا كان مسلك الإدارة تجاه تصرف ما قد تحدد سلفا بواسطة التشريع كانت سلطتها مقيّدة، أما إذا لم تحدد قواعد القانون سلفا مسلك الإدارة كانت سلطتها تقديرية كالترقية بالاختيار إن لم يحدد المشرع شرطا أخر كالأقدمية أو المسابقة.
ومن هذا المنظور فإن السلطة التقديرية للإدارة مسألة ضرورية لابد من التسليم بها، إذ هي ترتبط بطبيعة الوظيفة الإدارية ويفرضها الصالح العام ويؤكدها عجز المشرع عن تنظيم جزئيات وتفصيلات الأعمال الإدارية.
ثانيا: مدى رقابة القاضي الإداري للسلطة التقديرية للإدارة
المبدأ العام أن رقابة القضاء الإداري تنصب على مبدأ المشروعية بالنسبة لما تصدره الإدارة من أعمال وتصرفات، حتى لا تتعسف في استعمال سلطاتها، ولا تمتد الرقابة للسلطة التقديرية للإدارة، فمثلا في مجال الحقوق والحريات الأساسية للأفراد، إذا كان القانون منح للإدارة حرية في منح ترخيص بالقيام بالمظاهرات ففي هذه الحالة تتمتع الإدارة بسلطة تقديرية واسعة لكونها الأقدر من أية هيئة أخرى بتقدير الظروف الملائمة لمنح الترخيص للقيام بالمظاهرات من عدمه في حالة تهديدها للنظام العام في المجتمع.
ومرد استبعاد القاضي الإداري من رقابة الملائمة مبدأ الفصل بين القاضي والإدارة المترتب عن مبدأ الفصل بين السلطات، فلا يستطيع القاضي أن يقدّر ملائمة التصرف للظرف والوقائع التي صدرت لمواجهتها لعدم إلمامه بالوظيفة الإدارية والظروف التي تحيط بالإدارة وهي بصدد ممارسة سلطتها التقديرية.
إن للقاضي الإداري الجزائري صلاحيات خاصة يضطلع بها ولا يتعداها للقيام بصلاحيات أخرى من اختصاص الإدارة، ومن أجل ذلك يعاقب القانون القضاة الذي يتجاوزون حدود سلطاتهم وفقا للمادة 116 فقرة 2 من قانون العقوبات والتي جاء نصها كما يلي : "يعاقب بالسجن المؤقت مرتكبو جريمة الخيانة من خمس إلى عشر سنوات:
2- القضاة وضباط الشرطة القضائية الذين يتجاوزون حدود سلطاتهم بالتدخل في القضايا الخاصة بالسلطات الإدارية سواء بإصدار قرارات في هذه المسائل أو بمنع تنفيذ الأوامر الصادرة من الإدارة أو الذين يصرون بعد أن يكونوا قد أذنوا أو أمروا بدعوة رجال الإدارة بمناسبة قيامهم بمهام وظائفهم على تنفيذ أحكامهم أو أوامرهم بالرغم من تقرير إلغائها".
وعليه كقاعدة عامة مهمة القاضي الإداري تقتصر في دعوى الإلغاء على التحقق من مدى مشروعية القرار الإداري وليس له أن يصدر القرار الصحيح محل القرار المعيب المتخذ من الإدارة، أو يعدله ليزيل ما لحقه من عدم الملائمة.
غير أن هذه القاعدة ليست مطلقة بل ترد عليها استثناءات، حيث اتجه القضاء الإداري الجزائري إلى تمديد وبسط رقابته على مجال الملائمة أي فرض رقابته على تقدير الإدارة لخطورة الوقائع التي تدعيها، ومدى تناسب العقوبة التأديبية مع الخطأ المهني الذي ارتكبه الموظف، بحيث يجب أن لا تكون هناك مفارقة كبيرة بين درجة المخالفة الإدارية وبين نوع ومقدار الجزاء أي تكون العقوبة الموقعة على الموظف العام معقولة فلا تكون مشددة ولا يجوز من الإدارة العامة الإفراط في اللين.
ومن بين الأحكام القضائية الإدارية الصادرة في هذا المجال القرار الصادر عن مجلس الدولة الجزائري بتاريخ 29/1/2001 حيث أقر: "بأن رفض تسليم مفاتيح الشقة لا يعد خطأ مهنيا يستوجب عقوبة التوبيخ وأن هذه العقوبة تعسفية وغير شرعية، وعليه يتم تأييد القرار المستأنف، حيث أن قضاة الموضوع قدروا الوقائع تقديرا سليما، لذا يتعين تأييد القرار المستأنف ورفض الاستئناف لعدم تأسيسه".
كما توسعت رقابة القاضي الإداري في رقابة الملائمة لتشمل قرارات نزع الملكية للمنفعة العامة، حيث أصبح القاضي الإداري مؤهلا لفرض رقابة الملائمة عليها من خلال الموازنة بين المزايا والتكاليف في مجال نزع الملكية للمنفعة العامة، ضمانا لحقوق الأفراد من تجاوزات الإدارة، فيمكن للقاضي الإداري إلغاء القرارات الإدارية المتعلقة بنزع الملكية التي من شأنها إحداث خسائر جسيمة للمعنيين أكثر من نفعها وعلى هذا الأساس تطور الدور الموضوعي للقاضي الإداري في الرقابة على أعمال الإدارة لتشمل الملائمة، فبعدما كان دور القاضي الإداري يقتصر على المشروعية الإدارية فقط، أصبح يراقب حتى مدى الملائمة لكن في مجالات محددة أقرها القضاء.
الفرع الثاني: الظروف الاستثنائية وأثرها على رقابة القاضي الإداري
من المسلم به أن القوانين وضعت لكي تواجه وتطبق في الظروف العادية للجماعة وفي مثل تلك الظروف تلتزم الإدارة بتطبيق القوانين والتنظيمات القائمة، ولا تملك أن تخرج عليها في تصرفاتها، وٕإلا كانت مخالفة للقانون وباطلة غير أنه قد تطرأ ظروفا استثنائية طارئة كالزلازل والفيضانات، لا تستطيع الإدارة مواجهتها وفقا لأحكام التشريع العادي وٕإتباع أساليبه وٕإجراءات طويلة فمن شأن ذلك تعطيل المصالح العامة وتوقف سير المرافق العامة.
ولذا فإنه يسمح للإدارة في مثل تلك الظروف بالخروج على قواعد القانون السارية، بحيث تصبح الأفعال غير المشروعة في الظروف العادية تصرفات مشروعة في الظروف الاستثنائية، الأمر الذي يستوجب تبيان مفهوم الظروف الاستثنائية (أولا) مع إظهار حدود سلطات القاضي الإداري على أعمال الإدارة في الظروف الاستثنائية (ثانيا)
أولا: مفهوم الظروف الاستثنائية
يقصد بالظروف الاستثنائية كل إخلال أو تشويش خطير للحياة الاجتماعية وينتج عن ذلك على الخصوص أنه يستحيل على السلطات العامة احترام كل متطلبات المشروعية، فإذا كان الهدف من المشروعية هو ضمان النظام العام في المجتمع المدني فإنه بإمكان الظروف المضطربة أن تبرر المساس بالمشروعية بغية إعادة النظام الاجتماعي كما كان في السابق والظروف الاستثنائية هي تلك أحداث الحرب والفتن والثورات والانقلابات وكل الحالات الخطيرة التي من شأنها المساس بالنظام العام وتهديده، كما قد تكون ظروفا دولية كالحروب أو داخلية كحدوث أزمات اقتصادية أو سياسية أو انتشار وباء إلى غيرها من حالات المساس الخطير بالنظام العام
لقد تم تطبيق هذه النظرية من قبل القاضي الإداري الفرنسي في قضية "كويتياس" حينما امتنعت الإدارة عن تنفيذ حكم قضائي بطرد عائلة تونسية كانت تقيم على أرض مملوكة للسيد كويتياس تحت ذريعة الحفاظ على الأمن العام والنظام العام، حيث قضى مجلس الدولة الفرنسي ب "أن لكل متقاض حصل على حكم لصالحه، الحق في مساعدة القوة العمومية له، للحصول على حقوقه فإن هي امتنعت بحجة الحفاظ على الصالح العام، فإنه يستحق التعويض تجسيدا لمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة"، والمسلك نفسه أخذ به القضاء الإداري الجزائري حيث أقرت الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا سابقا ب:"...يحق للسلطة الإدارية رفض دخول كل مسافر ترى في دخوله إلى تراب الجزائر مساس بالأمن العام".
ولذا فإن الحفاظ على النظام العام يؤدي حتما حسب القضاء الإداري إلى توسيع امتيازات الإدارة المكلّفة بمهمة الضبط الإداري في اتخاذ الإجراءات اللازمة والضرورية من أجل مواجهتها.
ثانيا: حدود رقابة القاضي الإداري على أعمال الإدارة في الظروف الاستثنائية
إذا كانت نظرية الظروف الاستثنائية يترتب عليها تحرر الإدارة من قواعد المشروعية بالقدر اللازم لمواجهة هذا الظرف، حيث تتوازى المشروعية العادية لتحل محلها المشروعية الاستثنائية تبرر أعمال الإدارة، إلا أن ذلك ليس مطلق من كل قيد وٕإلا أصبحت النظرية مبررا لاعتداءات متكررة من جانب الإدارة ولذلك وضع القضاء شروطا وضوابط محددة تلتزم الإدارة بها عند ممارستها لسلطاتها الاستثنائية وٕإلا غدت أعمالها مشوبة بالبطلان وتتمثل هذه الشروط فيما يلي:
- وجود ظرف استثنائي يهدد قيام الإدارة بوظائفها سواء تمثل ذلك في إدارة المرافق العامة أو المحافظة على النظام العام في الدولة مع استحالة دفع الخطر بالطرق القانونية العادية، بمعنى أن تكون الإدارة عاجزة عن مواجهة الخطر الذي يهدد أمن الدولة وسلامتها، بحيث يعد الإجراء أو التدبير الذي اتخذه الإدارة إعمالا لنظرية الظروف الاستثنائية الإجراء الوحيد والملائم لدفع الخطر.
ويجب أن تهدف الإدارة من تصرفاتها المتخذة في حالة الظروف الاستثنائية إلى تحقيق الصالح العام، أما إذا خرجت عن هذا الهدف وبحثت عن رغبات ومصالح شخصية فإنها تكون قد تعسفت وانحرفت بالسلطة وبالتالي تعرض تصرفاتها للإلغاء والتعويض.
كما حرص القضاء الإداري على وجوب أن تتناسب السلطات الواسعة المستخدمة من جانب الإدارة مع الظرف الاستثنائي المراد مواجهة أخطاره، بمعنى أن لا تضحي الإدارة بمصلحة الأفراد في سبيل المصلحة العامة إلا بمقدار ما تقتضيه الضرورة وأن تختار من الوسائل أقلها ضرار بالأفراد، فإذا تجاوزت وتعسفت في استعمال سلطتها بما يفوق القدر اللازم والضروري لمواجهة الظرف الاستثنائي، فإن قراراتها تعد غير مشروعة.
وعلى هذا الأساس تتقوى سلطات الإدارة في الظروف الاستثنائية ويمكن أن تتجاوز ما يقرره مبدأ المشروعية العادية، لكن الإدارة ليست طليقة في ذلك بل مقيّدة بالضوابط المحددة أنفا.
الفرع الثالث: انتفاء دور القاضي الإداري في الرقابة على أعمال الإدارة
تعد أعمال السيادة من أهم المفاهيم التي تتناقض إلى حد كبير مع مبدأ المشروعية الإدارية أو خضوع الإدارة للقانون، حيث يتم في إطار أعمال السيادة استبعاد رقابة القاضي الإداري على أعمال الإدارة، فيقف القضاء أمامها عاجزا معلنا فقط عدم اختصاصه بالنظر حتى ولو كانت تمس حقوق الأفراد وحرياتهم.
وهكذا يمكن القول أن أعمال السيادة تشكل على عكس كل من نظرية السلطة التقديرية ونظرية الظروف الاستثنائية، استثناءً حقيقا وخروجا صريحا على مبدأ المشروعية الإدارية، الأمر الذي جعل من أعمال السيادة تعد سلاحا قويا في يد السلطة التنفيذية، وسندرس هذا النوع من التصرفات للإدارة بشيء من التفصيل من خلال إبراز مفهوم أعمال السيادة (أولا) وتبيان موقف القاضي الإداري من أعمال السيادة (ثانيا).
أولا: مفهوم أعمال السيادة
يقصد بأعمال السيادة طائفة من القرارات صادرة عن السلطة التنفيذية محصنة من الرقابة القضائية، بحيث لا يمكن أن تكون محلا للطعن بالإلغاء أو التعويض سواء كان ذلك في الظروف العادية أو في الظروف الاستثنائية، فهي تمثل حجر عثرة في رقابة القضاء على أعمال السلطة الإدارية بل ويلتزم القاضي التصريح برفض الدعوى وعدم التصدي لها.
لقد اختلف الفقهاء في تحديد معيار تمييز أعمال السيادة عن الأعمال الإدارية الأخرى، فتعددت المعايير التي فيل بها في هذا الخصوص، فهناك معيار الباعث السياسي وهو أول معيار أخذ به مجلس الدولة الفرنسي وبمقتضاه يعتبر العمل الذي قامت به السلطة التنفيذية من أعمال السيادة إذا كان الدافع إليه دافع سياسي وبالتالي لا يخضع لرقابة القضاء، أما إذا كان الباعث غير سياسي فإن العمل الصادر يعتبر إداري وبالتالي يخضع للرقابة القضائية.
انتقد معيار الباعث السياسي على أساس أن السلطة التنفيذية تستطيع التذرع بأن الباعث من وراء غالبية ما تصدره من أعمال سياسيا مما يؤدي إلى استبعاد هذه الأعمال من رقابة القضاء الأمر الذي أدى إلى ظهور معيار أخر ألا وهو معيار طبيعة العمل الصادر عن السلطة التنفيذية، حيث إذا كان العمل حكوميا منصوص عليه في الدستور فهو من أعمال السيادة ويخرج من نطاق الرقابة القضائية، في حين أن العمل الإداري لا يدخل ضمن تلك الأعمال وعليه تخضع للرقابة القضائية غير أن الفقه اعتبره معيارا غامضا وغير واضح حيث يصعب التفرقة بين ما يدخل في اختصاص الحكومة وما يندرج في اختصاص الإدارة.
إزاء فشل كافة المحاولات الفقهية السابقة في الوصول إلى معيار جامع ومانع لتمييز أعمال السيادة عن الأعمال الإدارية، اتجه بعض الفقهاء في فرنسا إلى استقراء الأحكام القضائية الصادرة من مجلس الدولة ومحكمة التنازع، حيث يصبح تحديد أعمال الحكومة ونطاقها أمرا متروكا للقضاء وحصرها وتجميعها في قائمة تضمنها جميعا، وتتضمن هذه القائمة أساسا مجموعة الأعمال المتعلقة بعلاقة السلطة التشريعية بالسلطة التنفيذية كقرار حل البرلمان، الدعوة للانتخاب، الأعمال المتعلقة بشؤون الدولة الخارجية كإبرام المعاهدات، إنشاء وتنظيم المرافق الدبلوماسية، قطع العلاقات الدبلوماسية وتطبيعها بالإضافة إلى الأعمال المتعلقة بالدفاع الوطني كقرار إعلان الحرب.
ثانيا:إرساء القاضي الإداري لنظرية أعمال السيادة
بالرغم من وجود نص دستوري يؤكد على رقابة القضاء على كل أعمال السلطة التنفيذية إلا أن هناك طائفة من الأعمال بالرغم أنها تمس بالمركز القانوني إلا أنها لا تخضع للرقابة بفعل الطابع السياسي
وتعود جذور نظرية أعمال السيادة إلى الاجتهاد القضائي الإداري الفرنسي، فهي نظرية قضائية محضة من ابتكار مجلس الدولة الفرنسي كوسيلة لتفادي الاصطدام بالسلطة التنفيذية ليحافظ على وجوده، وذلك عن طريق إبعاد بعض أعمالها عن مجال رقابته، وتم إرساء النظرية في قضية "لافييت" في سنة 1822 وقضية "الدوق دومال" في سنة 1867، وبعد ذلك أصبحت النظرية تتقلص وتنحصر في طائفة معينة من الأعمال وأخذت القائمة القضائية تنحصر.
وعليه في فرنسا إلى جانب تقليص من نطاق أعمال السيادة فإن القضاء الفرنسي أقر بالتعويض عن الأضرار المترتبة عن تحصين أعمال السيادة من الرقابة القضائية.
ولقد اعترف القضاء الإداري الجزائري بأعمال السيادة واستبعدها من الرقابة القضائية في أحكام قضائية قليلة ولعل أبرزها قضية (ي.ج . ب) بتاريخ 17/ 01/ 1984 بمناسبة الطعن الموجه ضد قرار وزير المالية المؤرخ في 8/ 04/ 1982المتضمن سحب الأوراق المالية من فئة 500 دج من التداول، حيث قضت الغرفة الإدارية ب: "حيث أن الرقابة التي يباشرها القاضي الإداري على أعمال الإدارة لا يمكن أن تكون عامة ومطلقة، حيث أن إصدار التداول وسحب العملة تعد إحدى الصلاحيات المتعلقة بممارسة السيادة، حيث أن القرار المستوفي من باعث سياسي غير قابل للطعن فيه بأي طريقة من طرق الطعن وأن القرار الحكومي المؤرخ في 04/08/1982 والقاضي بسحب الأوراق المالية من فئة 500 دج من التداول وكذلك قرار 01/06/ 1982م الصادر عن وزير المالية المتضمن تحديد قواعد ترخيص بالتبديل خارج الأجل هما قراران سياسيان يكتسبان طابع عمل الحكومة ومن ثم فإنه ليس من اختصاص المجلس الأعلى فحص مدى مشروعيتها ولا مباشرة الرقابة على مدة التطبيق"
وما يعاب على القضاء الإداري الجزائري أنه لم يحصر أعمال السيادة في قائمة وٕإنما تتطور وتتشكل وفق الظروف المحيطة بالدولة، إضافة إلى عدم إقرار تعويض عن الأضرار التي يعرض لها المخاطبين بالقرارات السياسية، وهو ما يتعارض مع الوظيفة الأساسية للقضاء والمتمثلة في حماية المشروعية في الدولة ضد تعسف السلطة العامة كونه الملجأ الوحيد للأفراد لحماية حقوقهم.
المرجع:
1. د. بلماحي زين العابدين، المدخل للقانون الإداري ونظرية التنظيم الإداري، جامعة أبي بكر بلقايد تلمسان، الجزائر، السنة الجامعية: 2015-2016،.
تعليقات
إرسال تعليق