يرجع الأصل اللغوي لكلمة ديمقراطية إلى اللغة اللاتينية DEMOCRATOS وهي كلمة مركبة من ديموس DEMOS وتعني الشعب، وكراتوس CRATOS وتعني السلطة. ومعناها أن الشعب يتولى حكم نفسه بنفسه، وهو مصدر السلطات . ولكن لما كان من الصعب أن يمارس الشعب الحكم بنفسه مباشرة، فإنه تنازل عن جزء من سلطته لممثلين له يختارهم عن طريق الانتخاب والاقتراع العام والسري لفترات زمنية محددة مسبقا، ويتولون خلالها مزاولة الحكم وفقا لأحكام الدستور على أن يقوم الشعب بمراقبتهم بعد اختيارهم وأثناء ممارستهم الحكم .
والديمقراطية هي طريقة للحياة واسلوب الحكم الذي يقوم على أساس قيام السلطة على ارادة الشعب، وممارسة الشعب حريته ، وحقه في اختيار السلطة التي تحكمه، بطريقة يقبلها، وضمان حقوقه الاساسية السياسية والاجتماعية في المساواة وحرية التعبير والتنظيم والعمل والمشاركة في صياغة الحياة السياسية والاجتماعية.
كما تعرف على أنها شكل من أشكال الحكم السياسي قائمٌ بالإجمال علَى التداول السلمي للسلطة و حكم الأكثريّة و حماية حقوق الأقليّات و الأفراد.
عرّف الباحثون الديمقراطية تعاريف عدة، لعل أهمها : شكل من الأشكال الحكومية يتعذر بلوغها بلوغا كاملا. وحكم الشعب بنفسه. ورقابة الشعب على الحكومة. وعرفت بأنها نظام أجتماعي يؤكد قيمة الفرد وكرامته الشخصية الانسانية على أساس مشاركة أعضاء الجماعة في إدارة شؤونها
ويراها البعض بأنها مفهوم يعد الشعب مصدر السلطة تتقرر له جميع الحقوق على أساس من الحرية والمساواة، إذ لا تمييز بين الأفراد بسبب الأصل أو الجنس أو الدين أو اللغة، وعرفها آخرون بأنها تعميم للحضارات الراهنة بكل قيمها المادية والمعنوية على جميع الأفراد، ووصفها البعض بأنها نظام تمثيلي يتولى فيه أشخاص انتخبوا أو تم اختيارهم من قبل هيئات عامة التحدث باسم جمهرة واسعة نسبيا من مواطنيهم مهمتهم النيابة عنهم في الدفاع عن مصالحهم أو مواقفهم أو أفكارهم لدى السلطة التنفيذية .
مقومات الديمقراطية والمجتمع الديمقراطي
أولا: التعددية السياسية
ونقصد بها أولا وقبل كل شيء، وجود مجال اجتماعي وفكري يمارس الناس فيه " الحرب " بواسطة السياسة، أي بواسطة الحوار والنقد والاعتراض والأخذ والعطاء، وبالتالي التعايش في إطار من السلم القائم على الحلول الوسطى المتنامية ... والتعددية هي وجود صوت أو أصوات أخرى مخالفة لصوت الحاكم. أو هي تعدد القوى والآراء السياسية وحقها في التعايش والتعبير عن نفسها والمشاركة في التأثير على القرار السياسي في مجتمعها , وتعني التعددية أيضا الإقرار بوجود التنوع، وأن هذا التنوع يترتب عليه اختلاف المصالح والاهتمامات والأولويات. وتعرف كذلك على أنها مشروعية تعدد القوى والآراء السياسية وحقها في التعايش والتعبير عن نفسها والمشاركة في التأثير على القرار السياسي في مجتمعها . ولا معنى للتعددية السياسية إلا إذا كانت الآليات المعتمدة في تسيير المجتمع كلّه وكذلك مختلف المؤسسات والتنظيمات تتيح للأتجاه السياسي الذي يحظى بتأييد الأغلبية أن يتولى السلطة لتنفيذ البرنامج الذي يدعو إليه . والعمل السياسي في المجتمعات المتحضرة يقوم على آلية الأحزاب السياسية بوصفها آلية مدنية تضمن التداول السلمي للسلطة وتبادل الأفكار والحوار، كما إن الآلية الحزبية تضمن للمجتمع وسائل وأساليب حديثة تدفعه إلى العمل الجماعي الذي يمكّنه من التطور بعيداً عن الآليات والأساليب التقليدية والمعيقة لتطور الدولة والمجتمع بوصفها آليات بدائية لمجتمعات ما قبل الدولة الحديثة القائمة على مفهوم المواطنة والعيش المشترك الذي يوفق بين المصالح العامة والمصالح الخاصة ، على أسس قانونية موضوعية تضمن تنفيذها مجموعة من المؤسسات العصرية .
ثانيا:- التداول السلمي على السلطة
المقصود بالتداول السلمي على السلطة هو التعاقب الدوري للحكام على سدة الحكم تحت صيغ الانتخابات ، حيث يمارس هؤلاء الحكام المنتخبون اختصاصاتهم الدستورية لفترات محددة سلفاً . وبذلك فان اسم الدولة لا يتغير ولا يتبدل دستورها ولا تزول شخصيتها الاعتبارية نتيجة تغير الحاكم أو الأحزاب الحاكمة . وعليه فان السلطة هي اختصاص يتم ممارسته من قبل الحاكم بتفويض من الناخبين وفق أحكام الدستور، وليست السلطة حقاً يتوجه الحاكم لغيره أو يورثه لمن بعده وإنما يتم تداول السلطة وفق أحكام الدستور, ويقتضي التداول على السلطة وجود تعددية سياسية مؤسسة على قيم الحوار، والتنافس، والاعتراف المتبادل . فالتداول، من حيث كونه انتقالا للسلطة من طرف إلى آخر، لا يتحقق ويعطي مفعوله دون وجود قدر من التنافس الذي يجعل التناوب بين الأغلبية والمعارضة ممكنا على صعيد الممارسة.
وبناءاً على ما تقدم يمكن القول أن مبدأ التداول السلمي على السلطة من قبل القوى والتيارات السياسية الفاعلة من ابرز آليات الممارسة الديمقراطية . لذلك لا يمكن الحديث عن بناء دولة ديمقراطية ما لم يكن هناك اعتراف بحق جميع التيارات والأحزاب السياسية أن تتبادل مواقع الحكم والمعارضة داخل الدولة .
ثالثا :- انتخابات حرة ونزيهة
ومعنى ذلك أن تكون هناك انتخابات دورية وحسب ما ينص عليه الستور ويتم من خلالها اختيار المجلس النيابي (البرلمان) ورئيس الدولة ولا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية من دون وجود انتخابات دورية حرة ونزيهة تتيح المشاركة الحرة فيها لجميع مواطنيها. فالانتخابات الديمقراطية لا يمكن أن تكون واجهة لدكتاتور أو حزب منفرد يتخفى وراءها، بل ينبغي أن تكون منافسة حقيقية على الفوز بتأييد الشعب. وهذه حسنة من حسنات الديمقراطية بوصفها آلية من آليات توفير الشرعية لتداول السلطة سلمياً بعيداً عن الإنقلابات العسكرية والعنف بمختلف أشكاله ومختلف أصنافه، لأنها تجعل من الشعب يحكم بين الأتجاهات السياسية المتعددة بحيث يصدر المواطن حكمه من خلال إطلاعه على الأختلافات والتباينات في الرؤى بين الاتجاهات المتباينة بطبعها وتفضيلها لاتجاه على حساب آخر في أقتراع دوري عبر صناديق الأنتخاب . وهذه الآليات التي توفرها الممارسة الديمقراطية تضمن استمرار واستقرار الوضع السياسي بأعتبار المشاركة في الأنتخابات ترشيحاً واقتراعاً تعطي المواطن والقوى السياسية وسيلة للمشاركة المباشرة في الشأن العام ولمحاسبة المسؤولين على آدائهم إيجاباً أو سلباً وخاصة إذا أخفقوا أو فشلوا في تنفيذ مشاريع التنمية التي طرحوها للإنجاز أو التي رفعوا شعاراتها .
رابعا :- احترام حقوق الإنسان :
يعد احترام حقوق الإنسان اللبنة الأولى في البناء الديمقراطي لأنه دون إحترام كامل للحقوق الجوهرية للإنسان لا يمكن الحديث عن الديمقراطية. ولقد كثر الحديث في العقود الأخيرة عن هذه الحقوق على الرغم من تباين المواقف منها فالديمقراطية لا تقتصر على الحرية السلبية – أي الحماية من تعسف السلطة – مثلما أنها لا تقتصر على المواطنة الفعلـية. أن الديمقراطية هي التي تضمن للمواطن حقّه في التعبير عن الرأي ، وحقه في التجمع والإنتماء إلى التيار أو التنظيم الذي يرغب في الأنضمام إليه ، كما أن حرية الرأي والتعبير لا تكتمل إلا بحرية الأنتخاب التي تهيئ لها وضمنها حرية الإجتماع والتعبير التي ينبغي أن تستكمل بقواعد اشتغال المؤسسات التي تحول دون التلاعب بالإرادة الشعبية ودون إعاقة تداول الآراء وإتخاذ القرارات، لأنه ليس هناك مبدأ أشد أهمية بالنسبة إلى موضوع الديمقراطية من الحدّ من سلطة الدولة في مواجهة المواطن واحترام حقوقه الأساسية ، فللمواطن حقوق أساسية كثيرة يضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يجب توافرها مهما كانت الخصوصيات الثقافية والحضارية. وان طبيعة المجتمع ودرجة رقيه إنما تقاس بنسبة إنسانية هذا المجتمع ، أي بنسبة ما يكون الإنسان حاصلاً على حقوقه ، أما المجتمع الذي يكون فيه الإنسان مقهوراً أو مذلولاً أو مستغلاً فالمجتمع مهما بلغ من الرقي المادي والحضاري يبقى مجتمعاً متخلفاً ولا إنسانيا. فحقوق الإنسان ببساطة تغني أن الإنسان لمجرد كونه إنساناً أي بشراً بصرف النظر عن جنسيته أو جنسه أو ديانته أو أصله العرقي أو القومي أو وضعه الاجتماعي أو الاقتصادي، يملك حقوقاً طبيعية خاصة به حتى قبل أن يكون عضواً في مجتمع معين .
خامسا : - وجود دولة القانون والمؤسسات
إن أكثرية البلدان اليوم تعاني غياباً شبه كامل لدولة القانون والمؤسسات وهي الدولة التي تستمد وجودها وشرعيتها من مؤسسات مستقلة عنها يتحدد إطار عملها من خلال منظومة من القوانين والتشريعات العلنية التي هي محل توافق من جميع مواطنيها ، كما تتحدد علاقات مواطنيها بها وببعضهم البعض من خلال هذه المنظمة القانونية , ذلك أن دولة القانون والمؤسسات التي نتحدث عنها ينبغي أن ترتكز على :
1- ضرورة وجود دستور ديمقراطي يحترم الحريات السياسية ويحدد الصلاحيات بشكل واضح ومحدد، والحقوق والواجبات ويضمن لجميع المواطنين حقوقهم وواجباتهم في مواجهة الدولة.
2- الفصل التام للسلطات عن بعضها البعض – أي التشريعية والتنفيذية والقضائية – مما يضمن التوازن بينها، عكس الوضع السائد الآن حيث تهيمن السلطة التنفيذية على باقي السلطات بشكل شبه مطلق لأن الديمقراطية الحقيقية لا تتأسس في أي بلد ما لم يتم فيه الفصل التام بهذه السلطات عن بعضها البعض.
3- أهلية جميع المواطنين لشغل الوظائف العامة وتمتعهم بالمساواة في مواجهة القانون بعيداً عن اي تمييز بسبب الدين أو الطائفة أو العرق أو المركز الإجتماعي أو اللون.
سادسا : - الوجود الفاعل لمؤسسات المجتمع المدني
إن الحديث عن مجتمع مدني ناشط وفعال هو في حقيقته حديث عن الديمقراطية، لأنه لا يمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية وفعلية دون الحديث عن وجود مؤسسات مجتمع مدني قوية ومؤثرة ذلك أن وجود المجتمع المدني القوي والفعّال يعتبر دليلاً على صحة الديمقراطية في ذلك البلد ، حيث أصبح تقّدم الدول والمجتمعات اليوم يقاس بمدى فاعلية هذه المؤسسات والأدوار التي تقوم بها بأعتبارها وسيطاً مقبولاً بين الشعب ومختلف شرائحه والدولة بمؤسساتها المتعددة, والمقصود بالمجتمع المدني هو المدني كل التنظيمات غير الحكومية التي تملأ المجال العام أو الفضاء الممتد بين الفرد والدولة على المستوى الوطني او بين الافراد ضمن مجتمعاتهم الوطنية والحكومات على المستوى الخارجي، وتنشأ بالارادة الحرة لأصحابها من اجل قضية او مصلحة معنية، او للتعبير عن مشاعر وتطلعات أفرادها، او لأتخاذ مواقف وسياسات جماعية، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي الجمعي المتبادل والتسامح والارادة الحرة للتنوع والاختلاف.
سابعاً :- توافر المعلومات
من الركائز الأساسية لأي نظام ديمقراطي أن تكون المعلومات متوافرة للجميع لمساعدتهم على اتخاذ الرأي السياسي الذي يجدون أنه الأفضل بالنسبة لهم لذلك يقتضي أن تكون وسائل الإعلام حرة وأن يسمح بالنقد والحوار المفتوح كما يتوجب ألا تتحكم جهة منفردة من الأحزاب السياسية بالمعلومات وتحتكرها أو تعمل على تشويهها أو تلفيقها أو اختلاقها من شأنه أن يجعل لها ميزة غير محقة على الفئات السياسية الأخرى .
تاسعاً :- ضمان حقوق للأقلية
يرى المفكرون السياسيون أنه لا يمكن أن يصبح ديمقراطيا دون أن تضمن الأكثرية الأقلية كافة حقوقها بما في ذلك في أن يصبح أكثرية ولا يعني حكم الأكثرية هدر حقوق الأقلية بل يفترض أن تحافظ الأكثرية على كافة الحقوق التي تضمن للأقلية حريتها في العمل من أجل أن تسعى لتصبح أقلية كما يفترض ألا تقوم الأكثرية بأي عمل من شأنه الأضرار بمصالح الأقلية أو حقوقها وعليها أن تضمن للأقلية حرية الكلام والتعبير وحرية المعارضة وحرية تقديم الشكاوي والمظالم للحكومة وهذه ضرورة أساسية لمغرفة رأي الأقلية في القرارات الصادرة عن الأكثرية .
نقد الديمقراطية وموقف الإسلام من الديمقراطية
أولا :- نقد الديمقراطية ومناهضتها :
1- وجود فرق أو فجوة واسعة بين النظرية والممارسة : يقر المفكرون السياسيـون أن الديمقراطية هي عبارة عن نظام سياسي يكون فيه الشعب أو الأمة مصـدر السلطات ولكن فـي هذا القـول بعض الغموض فكيف نعبر عن ذلك في الواقع ؟ ففي العصر الحديث أصبحت الديمقراطية المباشرة لا وجود لها نظراً لكثافة الأعداد السكانية في الدول الحديثة ولزيادة الفئات في المجتمع التي اصبح لها الحق في التصويت أو المشاركة في الحكم فيقول جان جاك رسو أن الديمقراطية الحقيقية مستحيلة مالم يجتمع كافة المواطنين لاتخاذ القرارات وللإشراف على الحكومة .
ففي الدولة المدينية أثينا في العصور القديمة التي مارست الديمقراطية المباشرة لم يتجاوز عدد السكان عدة آلاف . ولم يكن الحق للعديد من الفئات في المجتمع الاثيني المشاركة في صنع السياسة العامة واتخاذ القرارات الهامة منها المرأة والعبيد والقاصرين والمرضى واقتصر هذا الحق على 10% من سكان أثينا مما جعل أولئك الذين يحق لهم المشاركة في صنع القرار لا يتجاوز الخمسمائة مواطن ([40]) من خمسة آلاف مواطنة إذن الديمقراطية كانت نسبية أي كانت تمارس فقط على فئات معينة وهذا يعكس مبدا الديمقراطية لانه الشعب كل الشعب هو مصدر السلطات .
2- عدم الكفاءة : فشملت الديمقراطية في أن تعمل بكفاءة وبسرعة وبشكل نزيه وتظهر التجربة أن الأنظمة الديكتاتورية أو الملكية اكثر كفاءة وقدرة على تنفيذ البرامج والسياسة العامة ولذا فانه يمكنها تحقيق أشياء متعددة لا يمكن للديمقراطية من تحقيقها بسبب المقومات التي تواجهها ([41]).
3- البط ء في اتخاذ القرار : فالعملية الديمقراطية من حوار ونقاش تسير ببط ء شديد بالنسبة لتزايد المشكلات المعاصرة ويرى هؤلاء أن من الضروري منح المختصين قوة اكثر خاصة وان الشعب عرضه للتأثر بواسطة وسائل الدعاية والإعلام ([42]) .
4- تأثير الإعلام على الرأي العام :- تكون الشعب ديمقراطيا كلما زادت نسبة المشاركين من الشعب في الحكم لكن المشكلة تظهر عندما يستغل الزعماء تأثير الإعلام من اجل زيادة نسبة المؤيدين لسياستهم وخاصة أن الرأي العام يعتمد في المعلومات التي يحصل عليها على وسائل وأجهزة رسمية تستخدم إمكانياتها لبث المعلومات عن أمر ما للدعاية له أو ضده . ([43])
5- الاهتمام الزائد بالفرد فالديمقراطية تركز على الفرد وانه أكثر أهمية من المجموعة وتنظر الى الإنسان بأنه كائن أدنى من ربه والملائكة على عكس الذين ينظرون الى الإنسان على انه مخلوق أرقى قليلا من الحيوانات .
6- الإقلال من الفعالية الحكومية .
7- الديمقراطية تدعو الى تعدد الأحزاب وهذا يعني تضارب المصالح مما يضعف الوحدة الوطنية .
8- الديمقراطية ترمي الى تحقيق المساواة السياسية بين الأفراد وهذا يتنافى مع اختلافات الإنسان الجينية والموروثة .
9- الديمقراطية استبدلت حكومة الملوك بحكم البرلمان المطلق أي يعتمد على حكم الأقلية الاوليجاركية.
10- الديمقراطية تفشل وتعجز في وقت الأزمات ففي حالة إعلان الطوارئ تسيطر الحكومة على مقاليد الحكم بصورة مطلقة وهذا يعني أن الديمقراطية غير دائمة وأنها هي صورة مؤقتة .
هذه هي الانتقادات المنطقية التي وجهت الى الديمقراطية الغربية لكن يا ترى ما هو موقف الإسلام من الديمقراطية الغربية ؟هذا ما سيتم توضيحه في الفقرة التالية.
ثانياً : موقف الإسلام من الديمقراطية
" نظام خاص تحت لافته عامة "
عندما يتم طرح مفهوم الديمقراطية يتبادر الى الذهن فوراً مفاهيم الحرية والعدل في الحقوق الواجبات والحياة الاجتماعية المسالمة حيث سيادة القانون وتساوي المواطنين وغير ذلك من مفاهيم وممارسات تعبر عن احترام المواطن بغض النظر عن فكرة ولونه وانتمائه وهذه المسالة لها إغراء خاص وتدغدغ مشاعر ومطامح نبيلة عند الإنسان ([44]) ولكن هل عكس مفهوم الديمقراطية هذه المعاني بمثل هذه البساطة أو هل يعكسها الآن ؟ وهل هناك ديموقراطية تخفى الاستغلال والاستبداد فيجب محاربتها وأخرى هي الحقيقة أن يطمح إليها المواطن في نظامه السياسي والاجتماعي وكيف التفريق بينهما وهل نجحت البشرية في إقامة نظام يشترك فيه الشعب كل الشعب في القرار أم الحقيقة تمثل مصالح خاصة صغيرة أو كبيرة حسب الحالات ؟
وهل الديموقراطية مفهوم ممارسة أحادية أي انها لمصلحة الجميع ؟ كل هذه التساؤلات واكثر منها تتطلب إجابة حقيقية دون تبريرات عديمة الفائدة ولكن على غرار ذلك عند طرح مثل هذه التساؤلات على نظام الشورى في الإسلام نجد أن التجربة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم على كانت تقدم لنا إجابات شافية ودون غطاءات وتبريرات لمثل هذه التساؤلات بل كانت هذه التجربة الناجحة لا تسمح بوجود مثل هذه التساؤلات بسبب بسيط لان النظام الشورى في الإسلام كان مستمدا قواعده من كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام على عكس القواعد الخاصة بالديمقراطية الغربية فهي تستمد قوتها من الشعب أي المخلوقين وان هذه القواعد تكون من صنع الإنسان وبطبيعته الإنسان ([45]) القاصرة فان هذه القواعد تكون قابلة للتعديل أو التغيير أو الإلغاء بين القواعد الخاصة بالنظام الشورى في الإسلام هي قواعد جامدة لا يمكن أن تعدل أو تغير أو تلغى لأنها من عند الله سبحانه وتعالى ولان هذه القواعد هي خلقت لسعادة البشرية كافة .
ولكن السؤال الذي يثير الاهتمام هو انه هل هناك التقاء بين الديمقراطية والشورى ؟
" يقوم النظام السياسي في الدول الغربية على أن الحكم يكون بيد الأغلبية وهذه الأغلبية المذكورة يعبر عنها ممثلي الشعب أي نوابه في داخل البرلمان وفي هذا تلتقي الديمقراطية مع مبدا الشورى في النظام السياسي الإسلامي في جوهره ولكن الفارق بين النظامين كبير وهائل فالنظام السياسي الغربيى يقوم على علمانية الدولة أي فصل الدين عن الحكم ويضع زمام الأمور كله بيد الجماعة فتقرر ما تراه وتسن من القوانين ما تشاء أما أهل الشـورى في النظام الإسلامـي فلا يجـوز بحال من الأحوال أن يجتهدوا فيما ورد فيه نص قطعي ([46]).
ومعنى ذلك أن كل شئ يتنافى مع الدين يعتبر باطل حتى ولو صوت عليه كافة الشعب .
واما بالنسبة لنظام الانتخاب والشورى هل يتم الأخذ به في الدول الحديثة أم لا ؟
فهناك رأيان رأي يؤيد ذلك وله الدليل والرأي الآخر يعارض وله الدليل هذا لا يعنينا في الاختلاف بين الآراء لكن الذي يعنينا هو هل هناك حرج في هذه المسالة ؟ الإجابة ليست هناك حرج أو مانع يحول دون الآخذ بنظام الانتخاب إذا اقتضت ذلك المصلحة . أي يمكن اعتبار نظام الانتخابات شكل عصري من أشكال الشورى العامة .
ما هي أوجه الشبه بين الديمقراطيـة والشورى تتشابه الديموقراطيـة مع الشورى في النقاط التالية .
1- الاتفاق على رفض الانفراد بالحكم واستبداده وتعسفه .
2- عدم الإقرار بالثورة والفتنة كأسلوب للحد من سلطة الحاكم .
3- إشراك الحاكم والمحكوم في مسئولية الحكم ([47]).
أما بالنسبة لأوجه الاختلاف بين الشورى في الإسلام والديموقراطية فهي على النحو التالي :
1- الأساس النظري للشورى وممارستها تعتمد على الدين والشرع معا وتعني نوع من العبادة وهي علاقة أخلاقية مستمرة بين الراعي والرعية بينما الديمقراطية علاقة قانونية مبينة على مصالح الحكام والمحكومين .
2- ممارسة الشورى مقيدة بحدود الله أي السيادة والحاكمية لله وهو الرقيب الدائم بينما ممارسة الديمقراطية تكون في ظل قيم متفق عليها داخل المجتمع أي السيادة للشعب .
3- مصدر السلطة في الشورى هو الشريعة بينما هو في الديمقراطية النظام الذي يحرص على فصل السلطات وضمان حرية الأفراد ([48]).
إننا نجد الإجابة الشافية للسؤال الذي تم طرحه في بداية البحث في الموقف الإسلامي من تلك المعاني الظاهرية التي تقولها الديمقراطية فهو لا يتعرض على المعاني الظاهرة التي تقولها الديمقراطية في خطابها العام بل المشكلة تمكن في أمرين :-
الأمر الأول :- الطبيعة المرائية التي يحاول بعض أنصار الديموقراطية أن يعطوها لمطلبهم .
الأمر الثاني :- في إخفائها الجانب المستلب الذي به وبه فقط يستطيع هذا النظام ان يحقق المكاسب للجانب المستلب .
ففي النقطة الأولى :- تجـد أن بعضهـم يطالبـون ويختفون وراء الديمقراطية عندما يكونون في المعارضـة ثـم عندمـا يصلـون إلى الحكـم يتحولون الى اعتي أشكال الحكومات و أكثرها استبدادية أو تراهم ديموقراطيون في بلدهم ولكنهم ديكتاتوريون وحوش خارجها ([49]) .
النقطة التالية :- إخفائها الجانب المستلب وذلك من خلال زرع الوهم بان الديمقراطية تعمل بدون شروط أو بدون قيود وأنها هي الحرية الحقيقية أو حتى المطلقة أو انتقاد الرأس مالية أو الاشتراكية أو غيرها باسم الديمقراطية ، انه بصور ثوابت المجتمع كما يشتهي ويفسر مصالح الأمة حسب أهوائه يقرر الحدود التي ستتطابق في النهاية مع توفير الحماية المطلقة لنظام تحكمه واستبداده وهذه إشارات ليست إلا لبعض القيود التي تفرضها الديمقراطية ولبعض شروط عملها لبعض نتائجها ([50]).
وفي النهاية نقول بان أبناء المشروع الإسلامي مطالبون اليوم ليس بامتلاك الوعي بمضامين ومحتوى تجربة الآخر في النهوض فحسب بل أيضا بان يكتشفوا العناصر الأصيلة ويفجروا الطاقات المختزنة في موروث الأمـة الفكري وللحضاري من أجل بعث نهضة شاملـة تشمـل كافـة جوانب الحياة.
أما أن يستمر البعض ويتحجر أمام المصطلحات والقشور والمسميات كالديمقراطية والتيوقراطية وغيرها وان يخلع عليها ما يحلو من أوصاف المدح أو الهجاء دون النفاق الى المضامين والبنى والأنساق والتراكيب وصولا الى جذور الأشياء فليس هذا من الإسلام في شئ ولا سبيل الاشتقاق على منهجه وطريقته العلمية وتقاليده المعرفية .
صور تطبيق الديمقراطية :
أولا : الديمقراطية المباشرة.
وهي "النظام الذي فيه جميع القرارات السياسية تتخذ من قبل المواطنين". وتنحصر فيه خصائص السيادة بيد الشعب نفسه حيث يجتمع كل افراد الشعب الذين لهم الحق في الانتخاب في (جمعية عامة) , ومن خلالها يمارسون الحقوق السياسية فيشرعون القوانين ويختارون الموظفين والسلطة القضائية ،ويفترض هذا النوع من الديمقراطية بأن المواطنين يمكن أن يحكموا أنفسهم ويمارسوا بشكل مباشر سلطة صنع القرارات السياسية بدلاً من وسطاء أو نواب ينوبون عنهم.. وكان من أبرز دعاة هذه الديمقراطية (جان جاك روسو) الذي يعتبرها التطبيق المثالي والحقيقي للسيادة الشعبية.
وهذا النوع من الديمقراطية أقرب الى الحالة المثالية من بقية الانواع , حيث أن الشعب فيه يمارس السلطة بصورة مباشرة ويتمتع بمبدأ السيادة الشعبية لانه هو صاحب السيادة ومصدر السلطات ويتولى بنفسه السلطات الثلاث.
وانتشر هذا النوع من الديمقراطية في بلدات (New England) خلال القرن السابع عشر. وما زال هذا النوع من الديمقراطية يطبق في بعض المقاطعات السويسرية. وكان هذا النوع من الديمقراطية يمارس في المدن الأغريقية القديمة. إلا أن هذا النظام يستحيل تطبيقه الآن للأسباب التالية :
1- زيادة عدد السكان ونمو حجم الدول ما يعني زيادة نسبة المؤهلين للانتماء لهذه الجمعية وعدم امكانية جمعهم في مكان واحد .
2– مع فرض أمكانية جمعهم فأن التعارض الذي قد يحصل يجعل من المستحيل التوصل الصيغة لأرضائهم .
3- وعدم قدرة جميع أفراد الشعب على فهم وإدراك المشاكل والأمور السياسية والفنية المعقدة التي تواجه حياتهم.
ويعتقد بعض الملاحظين ومنهم الكاتب المستقبلي الأمريكي (Alvin Toffler) بأن شبكة المعلومات الدولية (الأنترنت) والتطور التكنولوجي الهائل في وسائل الاتصالات سوف تمكن العديد من المواطنين من المشاركة المباشرة في المناقشات السياسية وصنع القرارات في المستقبل.
وهناك من يرى بأن هناك شكل آخر من الديمقراطية المباشرة والذي يسمى بـ (الاستفتاء)* الذي يسمح للمواطنين بالتعبير عن وجهات نظرهم في الأمور السياسية، وكذلك في اقتراح القوانين وتعديلها، أو في تعديل الدستور أو بعض تشريعات الدولة. وهذا النوع من الديمقراطية (الاستفتاء) لا زال يمارس في بعض المناطق من العالم، كما هو الحال في ولاية كاليفورنيا الأمريكية.
ثانياـ الديمقراطية شبه المباشرة
تمثل الديمقراطية شبه المباشرة المركز الوسط بين الديمقراطية المباشرة الذي يمارس فيها الشعب صاحب السيادة جميع السلطات العامة في الدولة دون وساطة نواب أو ممثلين، وبين الديمقراطية التمثيلية التي يقتصر فيها دور الشعب على اختيار نواب عنه لممارسة شؤون الحكم السياسية.
والديمقراطية شبه المباشرة تقوم على أساس وجود برلمان ( مجلس ) منتخب لكنه لا يحق له البت في كل الامور الا بعد رجوعه الى الشعب و يحتفظ الشعب ببعض الاختصاصات التي يباشرها بنفسه، وبذلك تزداد أهمية الناخبين على حساب البرلمان، لأن الديمقراطية شبه المباشرة تشرك الشعب في ممارسة السلطة الى جانب البرلمان . إذ توجد في هذا النظام هيئات تمثل الشعب وتنتخب من قبله، وتمارس السلطة بأسمه ولحسابه والى جانب ذلك يشارك الشعب بصفة مباشرة في ممارسة السلطة بطرق مختلفة.
وتنحصر مظاهر مشاركة الشعب في السلطة في هذا النظام في الميادين الآتية:
1- الاستفتاء الشعبي:
وهو الاحتكام الى الشعب بخصوص أمر معين سواء كان مشروع أو اقتراح قانون (دستوري او قانون عادي) أو موضوع يتعلق بسياسة الدولة . فالاستفتاء هو الوسيلة للتعرف على رأي الشعب في أمر من الأمور المهمة، وله تقسيمات عديدة منه (الاستفتاء السياسي، الاستفتاء الدستوري والاستفتاء التشريعي).
2-لاعتراض الشعبي:
والمقصود به منح الدستور عدد معين من الناخبين حق الاعتراض على قانون أصدره البرلمان خلال مدة معينة، ويترتب على هذا الأعتراض وقف العمل بالقانون المعترض عليه فوراً ثم يعرض للاستفتاء الشعبي، والجدير بالذكر أن الاعتراض لا يكون واجب النفاذ.
3- الاقتراح الشعبي:
وهو منح الدستور عدد معين من الناخبين حق اقتراح مشروع قانون معين على البرلمان لمناقشته وإصداره، وإذا رفض البرلمان الاقتراح فينبغي عليه عرض الأمر على الشعب لإبداء رأيه فيه .
إن هذا النظام (الديمقراطية شبه المباشرة) ما زال يطبق في بعض الدول مثل سويسرا ، وفي بعض الولايات الأمريكية مثل كاليفورنيا ولوس انجلوس حيث تعرض التشريعات على الشعب ، ومن حق الشعب الطعن بها، وللمواطن أيضاً حق المبادرة في تقديم المقترحات الدستورية واقتراح القوانين وتعديلها .ومن محاسن هذا النوع من الديمقراطيات :
1 – أنها أقرب الى الديمقراطية المباشرة .
2 – تمنع استبداد المجالس النيابية .
3 – موافقة القوانين لرأي الأغلبية من الشعب .
ومن مساؤها :
1 – تحتاج الى مدة زمنية طويلة لإصدار وتشريع القوانين والتشريعات .
2 – تتطلب جهودا مالية وبشرية كبيرة لعملية سن وتشريع القوانين نتيجة الرجوع الدائم للشعب و أجراء الأستفتائات التشريعية أو الدستورية .
3 – أن كثرة الرجوع الدائم والمستمر لهيئة الناخبين ( الشعب ) قد تصيبهم بالملل والسأم من عملية المشاركة .
4 – يفترض هذا النوع من الديمقراطيات وجود هيئة ناخبين ( شعب ) مثقفة وعلى مستوى عالي من الوعي السياسي والقانوني يعينهم في عملية المشاركة في صنع القرارات وهذا الأمر صعب التحقيق أن لم يكن مستحيلا .
ثالثا: الديمقراطية غير المباشرة (التمثيلية) ( النيابية ).
الديمقراطية التمثيلية هي "نظام الحكم بواسطة الشعب الذي يمارسه بصورة غير مباشرة من خلال نواب منتخبين من قبله". أو هي "نظام سياسي يصوت فيه أفراد الشعب على اختيار أعضاء الحكومة الذين بدورهم يتخذون القرارات التي تتفق ومصالح الناخبين". ونظرياً فإن المواطنين في هذا النوع من الديمقراطية مازالوا يحتفظون بالسلطة المطلقة لأتخاذ القرارات إذ إن الانتخابات الدورية تسمح لهم بأقصاء الممثلين الذي لا يهتمون برغباتهم .

تعليقات
إرسال تعليق