خصائص القاعدة القانونية
تتميز القواعد القانونية بالخصائص التالية:
أولا : القواعد القانونية تحكم سلوك الأفراد كأصل الجماعة
فالقاعدة القانونية قاعدة سلوك يأتمر بها الأفراد للقيام أو للامتناع عن سلوك معين، فهي قاعدة تقويمية لسلوك الفرد في الجماعة، أن القواعد القانونية سابقة على وجود الدولة، فقد وجدت بعد وجود تجمع معين كالجماعات الأسرية.
وإذا كان القانون يهتم بسلوك الفرد داخل المجتمع فهو يهتم بالسلوك الخارجي الشخصي سواء في علاقة الأفراد ببعضهم البعض أو في علاقة الأفراد بالسلطة، فلا بد لتطبيق أحكام القانون أن يكون سلوك الشخص قد اتخذ مسلكا خارجيا، أما مجرد الشعور أو نية فلا يعتد بها القانون إلا إذا اقترنت بعمل خارجي، مثال: فتختلف عقوبة القتل العمد عن القتل الخطأ، وذلك لتوافر القصد لدى مرتكب جريمة القتل عمدا.
ثانيا : القاعدة القانونية عامة ومجردة
مفهوم التجريد والعمومية
لا بد أن تصاغ القاعدة القانونية بصفة مجردة، فهي لا توجه إلى شخص بعينه ولا تطبق على واقعة قانونية بذاتها مثال على ذلك: نص المادة 40 من القانون المدني الجزائري التي تقضي بأنه:« كل شخص بلغ سن الرشد متمتعا بقواه العقلية، ولم يحجر عليه يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه المدني.
وسن الرشد تسع عشرة (19) سنة كاملة»، فتطبق القاعدة القانونية على كل شخص بلغ سن 19 سنة وكان غير مصاب بعارض من عوارض الأهلية، فالنص جاء بصفة مجردة إذ يطبق على جميع من تتوافر فيه الصفات المذكورة.
وتطبق القواعد القانونية أيضا على الوقائع إذا توافرت فيها شروط معينة، مثال ذلك: واقعة تمام ولادة الإنسان حيا، يترتب عليها بدء شخصيته، فإذا توفر شرط الولادة التامة وخرج المولود حيا بدأت شخصيته، وهذا الحكم لا يقف لدى إنسان معين وإنما يطبق على عدد غير محدد من الأشخاص، فكل من يولد حيا تبدأ شخصيته القانونية وسواء تم ذلك الآن أو تم في المستقبل، طالما ظلت القاعدة قامة ومعمولا بها.
فالتجريد إذن صفة من صفات القاعدة القانونية والعمومية هي الأثر المترتب على التجريد، فالقاعدة القانونية إذا كانت مجردة فإنها تكون عامة حتما. مثال: فالقواعد القانونية التي تحدد أحكام الخدمة الوطنية تضع قواعد قانونية عامة لأنها تتضمن تكليفا عاما موجها إلى كل من تتوافر فيه الشروط الموضوعية في القاعدة سواء كان ذلك في الحال أو في المستقبل، لكن القرار الخاص باستدعاء أحد الأشخاص للخدمة الوطنية أو اكتساب شخص معين الجنسية، لا يعتبر قاعدة قانونية لأنه يخاطب شخصا معينا وينتهي عند تطبيقه فليس له صفة العمومية والتجريد ولا يكتسب صفة الدوام والاستمرار وهذا بخلاف القاعدة القانونية التي تظل وتستنفذ قوتها بتضييقها مرة أو مرات، بل أنها قائمة ولا يقتصر تطبيقها على ما تم في الماضي أو الحاضر، بل يمتد إلى المستقبل.
وتجدر الإشارة أن عمومية القاعدة القانونية لا يعني أنها تخاطب كل الناس المتواجدين في مجتمع معين، بل قد تخاطب طائفة معينة من الناس بصفاتها مثال:كالأطباء أو المحامين أو المهندسين أو الموثيقين...الخ وتظل القاعدة عامة ومجردة حتى ولو كانت خاصة بطائفة معينة طالما أنها لا تخاطب الشخص بإسمه، بل وتظل القاعدة القانونية مجردة ولو انطلقت على شخص واحد كرئيس الجمهورية أو رئيس المحكمة ذلك لأن هذه القواعد لا تخاطب هؤلاء الأشخاص بذواتهم بل بصفاتهم فهي تتجه إلى الشاغلين لتلك المناصب حاضرا أم مستقبلا
النتائج المترتبة على العمومية والتجريد
1- تحقيق المساواة بين الناس أمام القانون دون التحيز لشخص معين، لكن السعي لتحقيق المساواة يؤدي إلى الأخذ بعين الاعتبار بأغلبية الناس إذ لا يمكن للمشرع أن يراعي كل حالة على حدى، بينما يضر ببعض الطوائف، لكن القانون يهدف كما قلنا إلى تحقيق النظام والاستقرار في المجتمع، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا إذا كانت القاعدة القانونية عامة ومجردة تخاطب كافة الناس المتواجدين في المجتمع إذا توفرت فيهم الشروط أو الصفات المطلوبة لتطبيق القاعدة القانونية.
2- اعتبار القواعد القانونية عامة ومجردة يسهل تطبيقها، لأن الأشخاص يحترمون بسهولة القواعد إذا انطبقت على الجميع.
3- وتحقق العمومية والتجريد غاية عملية، وذلك لأن من المستحيل عمليا إصدار قرارات فردية تنظم سلوك كل شخص على حدى.
ثالثا: القاعدة القانونية قاعدة ملزمة
ضرورة الجزاء بالنسبة للقاعدة القانونية
الإلزام يعتبر من أهم الخصائص التي تتميز بها القاعدة القانونية، فلكي يلتزم الأفراد باحترام القواعد القانونية لا بد أن يقترن بجزاء، وهذا الأخير توقعه السلطة العامة جميعا على من يخالف القاعدة القانونية، والجزاء كان موجودا في المجتمعات القديمة، إلا أنه كان غير منظم بقواعد قانونية بل كان أساسه الانتقام الفردي للشخص المجني عليه أو على أسرته أو على عشيرته ضد الجاني أو أسرته أو عشيرته، وقد كان الانتقام والثأر ضروريا بل كان من العار عدم الأخذ بالثأر، ولم يبق حاليا من هذا الحق الخاص في توقيع الجزاء إلا حالات محدودة: كالدفاع الشرعي على النفس أو المال، ولكنه رغم كونه جزاءا خاصا فإن القانون ينظمه ولا يسمح به إلا في حالة الضرورة القصوى.
- الحق في الحبس: الذي يجيزه القانون بحيث يجوز لكل من التزم بأداء شيء أن يتمتع عن الوفاء به ما دام الدائن لم يعرض الوفاء بالتزام ترتب عليه وله ارتباط بالتزام المدين وفقا للمادة 200 من القانون المدني الجزائري.
ولكن هذه الجزاءات الخاصة نظمها المشرع فلا يستعملها الشخص كما شاء.
ويضمن الجزاء استقرار المجتمع وتحقيق النظام فيه بحيث يولد الثقة لدى المجتمع في فعالية القواعد القانونية.
وقد اختلفت أراء الفقهاء حول مدى اعتبار الجزاء عنصرا لازما للقواعد القانونية، فالمفروض هو أن الأشخاص يحترمون القواعد القانونية من تلقاء أنفسهم، وأن يظل الجزاء عنصرا استثنائيا، يمثل حالة عارضة.
فالإنسان يستجيب للقانون دون الضغط عليه، فنحن نشعر في حياتها اليومية بنوع من العقوبة في احترام القانون بدون الضغط، لكن هذا الشعور يتحقق في بعض القواعد القانونية دون الأخرى، فمثلا قواعد القانون الإداري لا يمكن أن تولد نفس الشعور لدى الناس، لهذا لا بد لاحترامها من توافر جزاء على مخالفتها.
ولا يمكن تصور وجود هذا الاحترام التلقائي للقواعد القانونية لدى جميع الناس لتباين أخلاق الأفراد في المجتمع، فلهذا يبقى الجزاء لازما لإحترام القواعد القانونية.
أما الرأي الفقهي الثاني: يرى أن الجزاء ليس عنصرا لازما للقواعد القانونية بل هو عنصرا خارجيا متعلقا بنفاذها فقط، إذ أن عدم توافر الإلزام أو الإجبار المادي في القاعدة القانونية لا ينفي وجودها، وإنما يقلل من فاعليتها ونفاذها في العمل ويستند أصحاب هذا الرأي لتبرير موقفهم إلى القانون الدولي العام والقانون الدستوري، فيرون أن انتفاء الجزاء في هذين القانونين لم يؤد إلى انتفاء الطبيعة القانونية لهذه القواعد، ويمكن الرد على هذا القول بأن الجزاء عنصر لازم للقاعدة القانونية أو الجزاء في القانون الدولي موجود وينسجم مع طبيعة القانون الدولي العام كإبطال المعاهدات، وتوقيع العقوبات الاقتصادية والحصار البحري ...الخ.
كما أن لقواعد القانون الدستوري جزاءا ينسجم معها ويتمثل في التوازن القائم بين السلطات إذا توقف كل سلطة أخرى إذا جاوزت حدودها وكذلك الرأي العام يراقب هذه السلطات ويطالب بإعادة تنظيمها بالإنتخاب أو بالثورة.
مميزات الجزاء: تتميز بمجموعة من الخصائص وهي كالتالي:
1- يتميز الجزاء بأنه مادي محسوس: وبالتالي يختلف عن الجزاء في قواعد الأخلاق والمجاملات والتقاليد الذي يكون مجرد جزاء معنويا يتمثل في تأنيب الضمير واستنكار الرأي العام.
2- الجزاء توقعه السلطة العامة: فتوجد سلطة عامة مختصة في الجماعة يعهد إليها كفالة احترام القانون عن طريق احتكار توقيع الجزاء ويستحيل على الأفراد مقاومتها لما لهذه الأخيرة من وسائل لذلك تحقق نوعا من التوازن بين الجزاء والضرر.
3- الجزاء في القاعدة القانونية: حال غير مؤجل، وهذا ما يؤدي إلى تخوف الأشخاص من توقيعه، بينما هو بالنسبة لقواعد الدين أخروي ومؤجل.
أنواع الجزاء :
يختلف الجزاء باختلاف فروع القانون، فهناك جزاء جنائي، مدني أو إداري:
1- الجزاء الجنائي:
يقع على كل من يرتكب فعلا تجرمه قاعدة جنائية وترفع عنه النيابة العامة الدعوى العمومية نيابة عن المجتمع ككل، ويتمثل الجزاء في عقوبة الإعدام طبقا للمادة 84 من قانون العقوبات الجزائري أو الحبس طبقا للمادة 144 من قانون العقوبات الجزائري، أو السجن المؤبد طبقا للمادة 205 من قانون العقوبات الجزائري، وقد تكون غرامة مالية يدفعها الجاني وهذا ما نص عليه المشرع الجزائري في المادة 455 من قانون العقوبات الجزائري.
2- الجزاء المدني:
فإذا أخل المدين بالتزاماته يلزم بالتنفيذ العيني أو بمقابل متى كان الالتزام ما يزال ممكنا، وأيضا إذا كان محل الالتزام هو القيام بعمل أما إذا كان محل الالتزام هو الامتناع عن القيام بعمل وقام الشخص به فيتمثل الجزاء في إعادة الحال إلى ما كانت عليه وقت وقوع المخالفة، فإذا استحال ذلك يلزم المدين بالتعويض – يتمثل أيضا الجزاء المدني في البطلان أي في إزالة التصرف القانوني المخالف للقانون، والفسخ في حالة إخلال المتعاقدين بالتزاماته العقدية.
وتجدر الملاحظة إلى أنه يمكن أن يترتب على نفس الفعل جزاء جنائي ومدني في نفس الوقت مثال على ذلك: أن يصطدم سائق سيارة شخصا فيقتله، فيترتب على هذا الفعل مسؤولية السائق الجنائية أي حق المجتمع في العقاب الجنائي، ويترتب على هذا الفعل أيضا لذوي الحقوق الحق في المطالبة بالتعويض فيرفعون الدعوى المدنية مطالبين بالتعويض المستحق لهم عن الضرر الذي لحقهم.
3- الجزاء الإداري:
يتمثل في الإنذار الذي يوجه إلى العامل، أو في الخصم من المرتب أو من الأجر، أو في التنزيل من الدرجة وقد يتمثل في الفصل النهائي عن العمل.
4- الجزاء في قانون الإجراءات المدنية والجزائية:
يتمثل الجزاء هنا في بطلان الإجراءات المخالفة لأحكام هذين القانونين كالحكم ببطلان العريضة الافتتاحية للدعوى أو ببطلان الإجراءات.
تعليقات
إرسال تعليق