القائمة الرئيسية

الصفحات

ملتقى التحول الديمقراطي في العلوم السياسية



ملتقى التحول الديمقراطي
مطبوعة جامعية موجهة إلى طلبة السنة الثالثة
علوم السياسية فرع العلاقات الدولية

اعداد : الدكتور محمد بوضياف





مقدمة : 

تحاول المطبوعة تأطير (ملتقى التحول الديمقراطي)،  المبرمج لطلبة السنة الثالثة علوم سياسية، فرع العلاقات الدولية ، ويعرض الملتقى في أطار أدبيات نموذج ما بعد السلوكية ، الذي يحاول أن يتجاوز الطروحات التي تتبناها المدرسة التنموية التحديثية،  ومنهجها القياسي المادي بإدراج الأبعاد الثقافية والتاريخية وتتوزع مادة هذا الملتقى حول محورين  أساسيين ، الأول ويسعى إلى عرض فكرة التحول الديمقراطي ( إشكالية الملتقى)  في العالم الثالث بشكل عام من خلال مجموعة من الحلقات تعالج بالأساس المفاهيم المركزية وتحديد المصطلحات ، ثم عرض المداخل النظرية بوصفها أدوات للتحليل، وتناولنا في الجزء الثاني دراسة حالة الجزائر ، باعتماد المدخل الثقافي.


المحور الأول: التحول الديمقراطي في العالم الثالث : الإشكالية وأدوات التحليل

الحلقة الاولى :عرض  اشكالية الملتقى والمفاهيم الاساسية

أ‌- اشكالية الملتقى:

زخرت الساحة السياسية خلال العقدين الاخيرين بفيض من التطورات السياسية التي شهدتها دول العالم الثالث تبدى معظمها في تراجع التوجهات التسلطية وتنامي التحولات الديمقراطية في اطار ما سمي بالثورة الديمقراطية العالمية، بحيث يمكن القول ان هذه الظاهرة اضحت تمثل بحق الاتجاه الرئيسي المعاصر في دراسة النظم السياسية في دول العالم الثالث. وفي اطار هذا السياق شهد حقل السياسات المقارنة بدوره تطورا موازيا لمواكبة الاحداث المتلاحقة التي تشهدها انظمة العالم الثالث.  

هذا وتجدر الاشارة الى ان الانتشار الهائل للتحول الديمقراطي في دول العالم الثالث الذي شمل اكثر من نصف دول العالم ، بعد انزواء الفكر الشيوعي ،  لا يعني ان هذه التغيرات تمثل في حد ذاتها ظاهرة حديثة،  حيث يمكن القول ان معظم هذه التحولات هي بمثابة اعادة للتطورات الديمقراطية السابقة شهدت نوعا من الانتكاسة اعقبها عودة للنظم التسلطية وعسكرية.

ومما يذكر ان عددا من النظم العالم الثالث قد شهدت  فترة ازدهار لممارسة الديمقراطية بعد استقلالها وذلك استجابة للتطلعات الشعبية انذاك بيد انها منيت في معظمها بالفشل .
ولعل الاتساع الملحوظ في نطاق هذه التحولات هو ما قاد تفاؤل الكثيرين حول قدرة موجة التحول الديمقراطي على الانتشار والاستمرار بما يدعم المقولة التي ترى قدرة المنظومة الليبرالية على ان تسود باعتبارها كما راى البعض ( البديل المحتمل الشرعي الوحيد للنظام التسلطي).

وفي اطار هذا السياق بات موضوع التحول الديمقراطي يشغل حيزا متناميا من شواغل المحللين السياسيين ، في محاولة لاستجلاء مختلف التباينات القائمة بين التناول المعاصر لظاهرة التحول الديمقراطي ، وبين دراسة الحلات التقليدية للديمقراطية في الانظمة الغربية . 

وعلى هذا النحو مثل هذا الفيض من التحولات الديمقراطية تحديا امام كل من المفكرين السياسيين وصانعي القرا ر حثهم على استجلاء مختلف القوى المحركة لهذا التحول وذلك لمراجعة المناهج والاقترابات القائمة التي اصبحت تولي اهتماما خاصا بكل من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في تحقيق هذا التحول الى جانب اهتمامها بسبل ترسيخ التحول الديمقراطي.

هذا وسوف تعكف الدراسة على استجلاء طبيعة عملية التحول الديمقراطي التي اضحت تمثل الاتجاه الرئيسي في دراسة النظم السياسية  في دول العالم الثالث وذلك في محاولة لالقاء الضوء على مختلف ابعادها التي تتجاوز النطاق السياسي لتشمل كل من المتغيرات الاقتصادية والثقافية . 

هذا كما تطرح الدراسة مجموعة من التساؤلات يرتبط بعضها بالمحاولات المعاصرة للتاصيل المفاهيمي للتحول خاصة فيما يتعلق بالاعلاقة بين كل من الليبرالية السياسية والاقتصادية من ناحية ، والتحول الديمقراطي من ناحية اخرى ، فالى أي مدى يمكن ان تسهم الليبرالية السياسية في حفز عملية التحول ؟ وما هو تاثير الاصلاحات الاقتصادية والتغيرات الهيكلية على مسار هذه العملية؟ وهل تؤثر نوعية اليات واستراتيجيات التحول التي يتخيرها الفاعلون السياسيون في هذا الصدد ، ومامدى امكانية الحديث عن صيغة عالمية لاستراتيجيات التحول الديمقراطي ؟ وما هي طبيعة المشاكل والصعوبات التي يمكن ان تقود الى انتكاسات في التجارب الديمقراطية ؟


ب‌- المفاهيم الاساسية   
سنعمد في هذا الجزء من الملتقى الى مناقشة المفاهيم المركزية ( المتغيرات الاساسية)  لمقاربة التحول الديمقراطي ، والتي لها علاقة بالاشكالية التي نفحصها .

-النظام:

هو مجموعة من العناصر المتفاعلة والمترابطة وظيفيا مع بعضها البعض بشكل منظم ومن خلال علاقات بحيث لو تغير أحد هذه العناصر فإن مجموع العناصر الأخرى ستتغير بالضرورة، وقد تكون هذه العلاقات تفاعلية فنتحدث عن الانسجام والتوازن والاستقرار، وقد تكون متعارضة، فنكون أمام حالة من الاضطراب وعدم التوازن، ويتوقف الأمر على قدرة النظام في الصيانة الذاتية والتحول الذاتي، إن الاعتماد المتبادل بين عناصر النظام ومتغيراته لا تتنافى مع استقلالية هذه العناصر، كما أن النظام ليس بالضرورة وحدة مغلقة، بل إنه يتفاعل مع أنظمة أخرى تعد بمثابة محيطه الخارجي الذي ينشط فيه، ويقول مورتن كابلان في هذا الصدد:"نستطيع تقنيا أن نعتبر كل سلسلة من المتغيرات نظاما". 
- النظام السياسي:

يعرفه جون وليام لابيار بأنه: "مجموع الإجراءات الخاصة بالقرارات الموجهة لكل المجتمع، سواء منها ما تعلق بتنظيم أو تنسيق العلاقات بين المجموعات الخاصة، أو بتلك المتعلقة بتعبئة المجتمع ككل، أو بالقرارات الخاصة بالعلاقات السلطوية سواء كانت مشروعة أم قهرية".

إن مفهوم النظام السياسي الذي سنعتمده في هذه الدراسة يختلف عن مفهوم الدولة، لأن الأول لا يعدو أن يكون مفهوما تحليليا يستخدم لفهم ظاهرة معينة، ولا يعرف له وجود مادي في الواقع، بيد أن الدولة تعد هي الوحدة القانونية المستقلة ذات السيادة التي تملك صلاحية الإرغام المادي المشروع و أدواته على الصعيد الداخلي، كما أنها تملك الشخصية القانونية التي تكسبها أهلية أن تكون مخاطبة بأحكام القانون الدولي العام على الصعيد الخارجي

إن مفهوم النظام السياسي يعتمد وجوده على نمط مستمر من التفاعلات والعلاقات الإنسانية، والتي تتضمن عناصر القوة و السلطة و الحكم، هذا التفاعل الذي يصل إلى حد الاعتماد المتبادل يتجه باستمرار نحو الحفاظ على الذات، فهو نظام بنيوي مؤسساتي ويتبع ممارسات بقصد الحفاظ على الوجود عبر الزمن. 

- النظام التسلطي:

هو نظام سياسي تتركز فيه السلطة في يد أقلية تحول دون المشاركة الشعبية الواسعة، وقد تكون هذه الأقلية "عائلة " وحينها نتكلم عن حكم " مونا رشي" يسير من خلال ملك أو ملكة مسنودين بطبقة من النبلاء أو من نخبة تقنوقراطية ويتميز هذا الشكل من الحكم ببيروقراطية عالية.

أما إذا كانت هذه الأقلية أو المجموعة سياسية فإننا أمام " أوليقارشية" تعمل على السيطرة ومراقبة مختلف مجالات النشاط الإنساني، سواء منها الاقتصادية، الاجتماعية، الدينية والثقافية وحتى الشؤون الأسرية و تؤطر هذه الأقلية ممارساتها من خلال الحزب الواحد وتبرر ذلك باسم التضامن الاجتماعي و بناء الدولة الوطنية وتحقيق التنمية، وقد عرف هذا الشكل من الحكم تطبيقا في إفريقيا وكثيرا من دول آسيا، وعادة ما يكون وراءه النخب العسكرية المتسلطة. 
ولا يمكن تصور نظاما تسلطيا تزدهر فيه الحريات الفردية، بل إن المجتمع عبارة عن سلسلة من المستويات القيادية تعمل تحت لواء الأقلية الحاكمة وأن مفاهيم القيادة، الطاعة والأمر، هي القيم العليا لهذه الأنظمة.

- التحول الديمقراطي:

مفهوم التحول يتسم بالشمول بحيث لم يعد ينظر إلى إرساء نظام ديمقراطي في دول العالم الثالث باعتباره نتاجا لعمليات التحديث وإنما أضحى نتاجا لتدابير إستراتيجية واتفاقات بين مختلف النخب السياسية إلى جانب الخيار الواعي بين مجموعة من البدائل المؤسسية والأنظمة الانتخابية و الحزبية.

و لمزيد من التوضيح لابد من التمييز بين كل من عملية التحول الديمقراطي و الليبرالية، فالأولى هي تلك التغييرات السياسية التي شهدها العالم الثالث خلال العقدين الأخيرين والتي مست إلى جانب توسيع نطاق الحقوق الفردية والجماعية، استهداف تحقيق إصلاحات سياسية تعكس قدرا أكثر اتساعا من محاسبة النخبة وصياغة آليات عملية صنع القرار في إطار مؤسسي ديمقراطي.

أما الليبرالية فتتضمن أهدافا متواضعة تتمثل في التخفيف من حدة القيود وتوسيع نطاق الحقوق الفردية والجماعية داخل النظام السلطوي والتي قد تساعد على تحفيز عملية التحول.

ونعود لنذكر أن النهج الديمقراطي هو اتخاذ التدابير المؤسساتية من أجل التوصل إلى القرارات السياسية التي يكتسب من خلالها الأفراد سلطة اتخاذ القرار عن طريق التنافس على الأصوات و بإتباع النهج الذي رسمه "شومبتر" فإن مدى نجاح أي ديمقراطية كنظام سياسي يتوقف على مدى اختيار أقوى صناع القرار الجماعي في انتخابات عادلة ونزيهة ودورية يتنافس المرشحون فيها على أصوات الناخبين، وبهذا فإن الديمقراطية تشمل بعدي التنافس والمشاركة كما أنها تتضمن وجود الحريات المدنية والسياسية.

هذا التعريف الإجرائي يسمح بالحكم على مدى ديمقراطية الأنظمة السياسية ويسمح بتحليل مدى تحول الأنظمة إلى الديمقراطية أو عنها، فالنظام الذي يحرم قطاعا من مجتمعه من المشاركة في التصويت كنظام جنوب إفريقيا ( يحرم 70% من السكان وهم السود) لا يعد نظاما ديمقراطيا أو النظام الذي يقضي بإبعاد المعارضة عن الانتخابات و إرهابها و فرض الرقابة على صحفها و مصادرتها أو التلاعب  بالأصوات من خلال التزوير وطمس ارادة الامة و منع وصول كبرى الأحزاب السياسية المعارضة الى الحكم فانه بالتأكيد ليس نظاما ديمقراطيا.

- سياسات التكييف الهيكلي:

ويشار إليها عموما بالإصلاح الإقتصادي، وترتكز هذه السياسات على برنامج التثبيت الهادفة إلى تصحيح الموازين الداخلية والخارجية للدولة وتنفذ في الأمد القصير ويشرف عليها صندوق النقد الدولي وتهدف إلى إحداث تعديلات في هيكل الاقتصاد وإدامة المزايا المتحققة من برنامج التثبيت وتنفذ بعناية البنك الدولي غير أن المؤسستين تعملان بتنسيق منهجي متكامل. 

وقبل التعرض للمصادر الفكرية لهذه السياسات وأهدافها لابد من تحديد السياق التاريخي والسياسي لظهور هذا الطرح، لقد كانت نهاية عقد الثمانينات نهاية عاصفة ترتب عليها مجموعة من النتائج والتحولات لم تنضج معالمها بعد، غير أن المعلم البارز لهذه الحقبة تمثل في نشوء وتطور حركة عالمية النطاق من أجل دمقرطة النظم السياسية في مناطق مختلفة من العالم، ويبدو أن هذه الحركة قد بلغت من السعة والعمق والمدى بما يوحي أنها غير قابلة للانقلاب والتراجع، وقد ترافقت هذه الحركة مع بروز وتطور معلم آخر يتمثل في الاندفاع الشديد نحو تحرير السوق وما يصحب ذلك من شعارات ذات طابع إيديولوجي تلح على تأكيد تفوق القطاع الخاص على القطاع العام بشكل مطلق وإعطاء شرعية للتفاوت الإجتماعي يرافق ذلك كله الإعلان عن معاداة مبدئية لتدخل الدولة في أي نشاط، هكذا إذا تطرح الليبرالية الجديدة نفسها وكأنها بديل واحد ووحيد صالح للتطبيق على صعيد عالمي، يتجاوز المناطق والحدود، دون أي استثناء أو تحفظ، داعية للانفتاح على كل شيئ دون قيد أو شرط، لقد ارتبطت مفاهيم الديمقراطية والليبرالية الإقتصادية بإشكالية مهمة أخرى هي الخوصصة، حيث يلاحظ أن الخطاب الليبرالي الجديد روج ويروج لهذا المفهوم باعتباره ضرورة لابد منها لأي تقدم اقتصادي للبلدان التي يطبق فيها.


ويمكن تحديد نوعين أساسيين للمصادر الفكرية لبرامج التكييف الهيكلي وتتمثل في، الأخطار المحددة التي اتفق عليها واضعوا التقرير الشهير باسم تقرير "بيرسون" المعروف على الصعيد العالمي باسم " شركاء في التنمية" وتكمن خطورة هذا التقرير في أنه صاغ ولأول مرة على أساس عالمي، الأسس التي يتوجب على البلدان المتخلفة أن تعتمدها عند تعاملها مع الاستثمارات الخاصة الأجنبية، الأساس الثاني يتمثل في تلك الشروط والمبادئ التي طورتها المؤسسات الاقتصادية الدولية المتخصصة وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي حول كيفيات التعامل مع البلدان المتخلفة، هذه الشروط والمبادئ تعتبر من الأسلحة الفعالة التي اعتمدتها البلدان الرأسمالية المتطورة لتسهيل مهمة الاختراق وتشديد استغلالها لها.


وفيما يخص الأهداف الفعلية لبرنامج التكييف الهيكلي يمكن إيجازها فيما يلي:
خلق جيش إحتياطي متزايد في البطالة، لضمان خفض معدلات الأجور الحقيقية وتوفير عنصر العمل الرخيص أمام الشركات متعددة الجنسيات.

طرد الدول من الحقل الإقتصادي وإبعادها كلية عن آليات السوق مما يفتح الطريق أمام رؤوس الأموال الأجنبية لفرض هيمنتها على النشاط الاقتصادي المحلي. 

العمل على التدمير المنظم والتدريجي للطاقات الإنتاجية المحلية من خلال إرغام البلدان النامية على انتهاج مبدأ تحرير التجارة الخارجية مما يساعد على غزو السلع القادمة من البلدان المتطورة لأسواق البلدان النامية ومنافستها للسلع المحلية التي تمتاز بقدرة تنافسية ضعيفة مما يؤدي إلى تدمير الصناعات المنتجة لتلك الدول.

العمل على توفير رصيد من العملات الصعبة ليس بهدف تمويل عملية التنمية و لكن أساسا لتمويل تحولات أرباح ودخول الشركات متعددة الجنسية العاملة في البلدان التي تطبق وصفة التكيف الهيكلي. 

التأثير في العلاقات الاجتماعية المحلية من خلال خلق فئات اجتماعية تستفيد من السياسات التي تتضمنها برامج التكيف الهيكلي، إن التطبيق الناتج لتلك البرامج يستحث تفكيك التحالفات الإجتماعية التقليدية والعمل على خلق الشروط لنشوء وتطور تحالفات اجتماعية جديدة تدافع عن تلك السياسات وتكون أساسا أو قاعدة لسلطة الدولة ولها مصلحة فعلية في استمرار تنفيذ برامج التكيف الهيكلي.
- المجتمع المدني:

على الرغم من تعدد الاقترابات والمداخل النظرية المستخدمة في دراسة نظم دول العالم الثالث ما بعد الاستعمارية، فإن معظم الأدبيات اتفقت على وصف هذه الدول بأنها فاشلة ومنهارة و أبوية تقوم على النهب والفساد، وعليه فإن التفكير الحديث ينحو في اتجاه تجاوز هذه الدولة بغية دفع القوى الأكثر ديناميكية في مجتمعات العالم الثالث، وفي هذا السياق طرح مفهوم المجتمع المدني بوصفه أداة ناجحة للإصلاح السياسي في هذه الدول.
 
ورغم صعوبة تحديد التعريف وضبط المفهوم وذلك لطبيعة النظرة للأشياء، فإنه يمكن التمييز بين ثلاثة تيارات عند دراسة المجتمع المدني، يربط أولها بين المفهوم وبين الليبرالية الجديدة التي تقوم على تقليص دور الدولة، ويشيع هذا الاستخدام في أدبيات مؤسسات "بروتن وودز" ومؤيدي سياساتها ويرى هؤلاء أن حكومات دول العالم الثالث غير قادرة على إدارة اقتصادياتها وتحقيق النمو وعليه فإن سياسات التكييف الهيكلي استهدفت وقف الدور الاقتصادي للدولة ومن ثمة دعم دور المجتمع المدني من خلال تحويل الموارد إلى المنظمات غير الحكومية والتي ينظر إليها في الغرب باعتبارها الممثل الحقيقي لقوى المجتمع.

ويرفض الكثير من الدارسين أن يكون هذا التحول في دور مؤسسات المجتمع المدني تعبيرا عن تحول حقيقي أو انعكاس صحيح لوزنه السياسي، وإنما بحسب رأيهم مجرد استجابة لشروط القوى الدولية المانحة من جانب النخب الحاكمة التي تسعى بهذه الطريقة إلى كسب موارد جديدة.
 
أما التيار الثاني فينظر إلى المجتمع المدني باعتباره قوة معادية لهيمنة الدولة، فهو أداة للمقاومة السياسية في مواجهة أنماط الحكم المركزي والشمولي، ويقوم التيار الثالث بالربط بين المجتمع المدني وبين الانقسامات الاجتماعية والانهيار السياسي والمؤسسي، فهو من هذا المنظور إطارا توحيديا يجمع كافة المصالح والجماعات ذات الولاءات المتناقضة في سياق مشترك واحد.

ونحن سنعتمد مفهوما للمجتمع المدني يأخذ بعين الاعتبار كل هذه الطروحات فالمجتمع المدني الجزائري نشأ مع الدولة الاستعمارية كقوى مضادة ومقاومة لمشروعها المبني على الالتحاق والاستلاب الثقافي والاستيطان، أي انه لعب دوره ليس كمشارك في ظل " الشرعية الكولونيانية"، وإنما طرح نفسه بديلا كليا باعتباره يمثل فكرا وطنيا وعنوانا سياسيا يتهيأ لاسترجاع السيادة الوطنية.

بعد الاستقلال، بدأت عناصر المجتمع المدني تعيد تشكيل ذاتيتها التنظيمية وصياغة مطالبها على ضوء التوجه الجديد الذي اكتسبته وأخذت تسير عليه الدولة الوطنية، أي انحسار دوره التقليدي، من دور مساند وداعم إلى دور المعارض والناقد لممارسات السلطة الوطنية، كأفراد ومؤسسات، غير أن هذه الأخيرة (السلطة) اصطنعت لها تنظيمات مدنية تمثل امتدادا إستراتيجيا لآلة عمل الحزب و نعني بها المنظمات الجماهيرية وبالتالي محاصرة أي تشكيلة اجتماعية أو فئة أو طبقة في أن تبرز و تتطور خارج إطار الدولة و مراقبتها.

و في ظل الانفتاح السياسي الذي عرفته البلاد مع دستور 89 و التفاعل مع المتغيرات الإقليمية و الدولية، بدأ يظهر شكل جديد من المجتمع المدني، المدعوم من المؤسسات و المنظمات الدولية، بموافقة السلطة تارة، ورغما عنها تارة أخرى و بالرغم من تباين المواقف اتجاهه إلا أنه يحظى بالأهمية و الحيوية اللازمة من أجل تحقيق الإصلاح السياسي.

الحلقة الثانية : المداخل النظرية 

قبل عرض المقاربة التي اخترناها لمعالجة وتحليل موضوع تحول  النظام السياسي الجزائري الى الديمقراطية ، رأينا انه من الضروري التعرض لبعض القضايا الأساسية المتعلقة بدراسة النظم، كوجوب التعرف على أهم التحولات الطارئة في المنظومة العلمية وأثرها على دراسة الأنظمة، و اختيار النموذج المعرفي الذي تتم في إطاره الدراسة، ثم بيان الاتجاهات الرئيسية المعتمدة في هذا الإطار، لننتهي في الأخير إلى عرض المقاربة المختارة. 

يرتبط تطور علم السياسة بتفاعل عاملين أساسيين هما: حالة المنظومة العلمية السائدة (النموذج المعرفي) والتغير في بنية وعلاقات التجمعات البشرية ونظمها من ناحية أخرى. وينطبق ذلك على مراحل التطورات الثلاثة في علم السياسة عامة والسياسة المقارنة خاصة. فقد انهار النموذج التقليدي بفعل التطورات التي حدثت على مستوى العلم والنموذج المعرفي بظهور الوضعية المنطقية وفلسفتها الداعية إلى إنشاء علوم اجتماعية على شاكلة العلوم الطبيعية وبمنهجيتها وكذلك بفعل التطورات التي شهدتها النظم السياسية في حينه. إذ انهارت النظم الديمقراطية ونشأت نظم ديكتاتورية فاشية وشمولية، وحدث تغيير في موازين القوى وسقطت الآمال التفاؤلية المنعقدة على انتشار الديمقراطية.  ونشأ على أنقاض ذلك نموذج معرفي جديد تمثل في الثورة السلوكية، التي ارتبطت بصعود الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عالمية مثلت بيئة ومحضنا لهذه الثورة، التي انطلقت في استبطان مقولات الوضعية المنطقية، وسعت للوصول إلى نظرية عامة شاملة تنطبق على الزمان والمكان وتدور حول محور التنمية كفكرة وقيمة وعملية. ورأت في انتشارها وتقدمها في العالم الثالث ما يحقق نقلة نوعية له، تأخذه من الأنساق الاجتماعية والثقافية القديمة والتقليدية إلى نموذج حداثي هو نفسه الموجود في العالم الغربي، وبذلك يلحق العالم الثالث بقاطرة الحضارة التي تقودها أوروبا وامتدادها في أمريكا وأستراليا، والتي تسودها قيم الرشادة والعلمنة والحداثة والتعددية الديمقراطية والاقتصاد الحر. 

ومع أواخر الستينيات بدأت تتدهور أوضاع العالم الثالث، وتنتشر فيه النظم التسلطية وسيطرة النخب العسكرية، والمشكلات الاقتصادية ممثلة في تعمق التخلف وانهيار جهود التنمية وانتشار الفقر، وهيمنة الشركات الدولية على اقتصادياته وترسخ قيم التبعية وسياساتها، وفي نفس الوقت بدأ التحول على مستوى العلم من الوضعية المنطقية والإمبريقية إلى النظرية التفسيرية. وبدأ مثقفوا العالم الثالث يتجهون إلى تقاليد فكرية أخرى تمثلت في الماركسية وأطروحتها المتعددة. كما دفعت مشكلات الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها -والمتمثلة في العنف العنصري، البطالة، حركات الحقوق المدنية والحركات النسوية- الكثير من الباحثين الأمريكيين إلى الانفتاح على تقاليد الماركسية خصوصا لمجاورة الولايات المتحدة لأهم مدرسة ماركسية في العالم الثالث في أمريكا اللاتينية، الشيء الذي أدى إلى تطوير أطر نظرية ومنهجية جديدة، كالتبعية والماركسية الجديدة ومنظورات الاقتصاد السياسي. كل ذلك دفع لتجاوز المرحلة السلوكية ونموذجها التنموي الحداثي والانتقال إلى ما بعد السلوكية وأطرها النظرية البديلة. 

إن ما يطلق عليه نظريات ما بعد السلوكية، لا يعني تلك النظريات التي نشأت في فترة تاريخية محددة بعد انتهاء المرحلة السلوكية ذاتها، لأن نهاية السلوكية ليست فعلا زمنيا قاطعا يمكن أن يؤطر بتاريخ محدد، وإنما هي عمليات فكرية مستمرة متواصلة ينشأ لاحقها في ثنايا سابقها. ولذلك فإن مفهوم نظريات ما بعد السلوكية لا ينصرف إلى كنه النظريات ذاتها، ويؤرخ لها من حيث نشأتها على أساس أنها نشأت فيما بعد السلوكية، وإنما هو مفهوم ينصرف إلى طبيعة النموذج المعرفي السائد. ومن ثم تكون هي تلك النظريات التي نشأت في مرحلة من خلال ما بعد السلوكية كنموذج معرفي جديد، أو توافقت وتكيفت معها، ومن ثم فقد تكون هذه النظريات ذات أصول فكرية تاريخية سابقة، وقد تكون نشأت في ظل المرحلة السلوكية ولكن كانت هامشية أو خارج النسق المسيطر آنذاك تماما. 

إن نظريات ما بعد السلوكية نشأت في صورة جنينية في المرحلة السلوكية، ثم نمت وتطورت وأصبحت مصدر إلهام لنقد السلوكية وكشف ثغراتها، ومواطن قصورها. حتى إذا ما بدأ الحديث عن وجوب تجاوز السلوكية والبحث عما بعدها، أثير الإنتباه نحو هذه النظريات التي كانت في بدايتها ضد السلوكية لتصبح وريثة لها، ومن ثم أطلق عليها تسمية ما بعد السلوكية. لذلك فإن عددا من هذه النظريات كان مستخدما جنبا إلى جنب مع نظريات المرحلة السلوكية ولكن انطلاقا من نموذج معرفي آخر، وتأسيسا على منظور مختلف، فهذه النظريات لم تكن متلبسة تماما بمقولات الوضعية المنطقية وتجلياتها في المدرسة السلوكية ولم تكن تسير في المنظور التنموي ومقولاته وإنما يمكن القول بقدر من التجاوز إن هذه النظريات انطلقت بصورة أكبر من مقولات المدرسة التفسيرية في العلم، والمنظور الذي طورته مدرسة التبعية، التي مثلت الإطار الفكري لمعظم هذه النظريات، ومن ثم لعبت الدور الذي قامت به التنموية في ظل المرحلة السلوكية.

وتأسيسا على ما سبق من القضايا والملاحظات فإننا فيما يلي سنحاول عرض أهم الاتجاهات والأطر النظرية المعتمدة في دراسة نظم ادول الجنوب في فترة ما بعد السلوكية، ومن أبرز هذه الأطر والمداخل النظرية الحديثة التي تم تطويرها نجد ثلاثة منها على قدر كبير من الأهمية هي:

مدخل الاقتصاد السياسي والتكييف الهيكلي،  مدخل العولمة، ومدخل التحول الديمقراطي والانتقال من الأنظمة التسلطية.

1- مدخل الاقتصاد السياسي والتكييف الهيكلي:

لقد طرحت برامج وسياسات التكييف الهيكلي في دول العالم الثالث على نطاق واسع منذ أوائل الثمانينات. وذلك بعد أن عانت اقتصاديات هذه الدول من أزمات طاحنة لم تقتصر على الانخفاض المتسارع في معدلات النمو والإنتاجية في القطاعات الزراعية والصناعية وإنما امتدت لتشمل ارتفاع معدلات التضخم وزيادة أعباء الديون وتردي البنية الأساسية وانخفاض الدخل الحقيقي للفرد. و قد هدفت برامج الإصلاح التي طرحت تحت ضغط الجهات المانحة، و تم تنفيذها بإشراف البنك الدولي و صندوق النقد الدولي إلى تحقيق الاستقرار في هذه الدول، و إعادة هيكلة اقتصادياتها و دفع عجلة النمو. بيد أن تأثيرات برامج التكييف الهيكلي ليست قاصرة على المجال الاقتصادي فقط و إنما شملت كافة قطاعات المجتمع، الأمر الذي جعلها موضوع جدل نظري واسع النطاق، كما أنها أضحت تمثل مدخلا هاما لدراسة النظم السياسية لدول الجنوب. 

2- مدخل العولمة :

إن التحولات الكبرى التي دفعت بها تيارات العولمة منذ بداية العقد الأخير من القرن الماضي قد اتخذت تعبيرات فكرية معينة مثل النظام العالمي الجديد و القول بكل النهايات، نهاية التاريخ، نهاية الإيديولوجية و نهاية الدولة القومية. و قد خضعت العولمة لجدل فكري واسع النطاق، حيث نظر إليها البعض باعتبارها أمركة العالم، في حين نظر إليها البعض الآخر على أنها تشير إلى تنامي أهمية السوق العالمية، بيد أن نفر قليل من الباحثين يضفي على المفهوم طابعا إيديولوجيا صريحا حينما يصفها بأنها تجسيد لواقع ثقافي و إيديولوجي معين ألا و هو انتصار قيم السوق و الليبرالية السياسية، أي انتصار الديمقراطية و الرأسمالية. و تفصح دراسة أدبيات العولمة وتأثيراتها على قضايا النظم السياسية لدول الجنوب عن وجود أربعة ملامح أساسية، فالعولمة في تجلياتها الاقتصادية تعني بروز تقسيم عمل جديد للاقتصاد الدولي الذي لم يعد يخضع للرقابة التقليدية ولم يعد يؤمن بتدخل الدول في نشاطها، والعولمة ساهمت في التبشير بقيم الليبرالية السياسية القائمة على التعددية و احترام حقوق الإنسان، كما إهتم إقتراب العولمة بدراسة قضايا العنف و الصراع في النظم السياسية لدول الجنوب بوصف الظاهرة (العولمة)تتناقض وخصوصيات هده الدول. 

3-  مدخل التحول الديمقراطي

سنحاول عرض مقاربة التحول الديمقراطي بشيء من التفصيل، بوصفها الإطار النظري الذي اخترناه لمعالجة موضوعنا "مستقبل النظام السياسي الجزائري"، وسنعتمد في ذلك على مقال كتبته الأستاذة هدى ميتيكس تحت عنوان "الاتجاهات المعاصرة في دراسة النظم السياسية في دول العالم الثالث" نشر من طرف اللجنة العلمية للعلوم السياسية والإدارة العامة التابعة للمجلس الأعلى للجامعات بمصر في كتاب" اتجاهات حديثة في علم السياسة" وحرره الأستاذ علي الدين هلال دسوقي و محمود إسماعيل محمد سنة 1999.

ترى الباحثة هدى ميتيكس أن التطورات السياسية الحاصلة في دول العالم الثالث و المتمثلة أساسا في تراجع النظم التسلطية و التحول نحو الديمقراطية إنما تندرج في إطار ما سمي الثورة الديمقراطية العالمية، بحيث يمكن القول أن هذه الظاهرة أضحت تمثل بحق الاتجاه الرئيسي المعاصر في دراسة النظم السياسية في دول العالم الثالث. و قد مثل هذا الفيض من التحولات نحو الديمقراطية تحديا أمام كل المفكرين السياسيين و صانعي القرار، وحثهم على استجلاء القوى المحركة لهذا التحول و ذلك لمراجعة المناهج والاقترابات القائمة التي أصبحت تولي اهتماما خاصا بكل من العوامل الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية في تحقيق هذا التحول إلى جانب اهتمامها بسبل ترسيخ التحول الديمقراطي.

وتهدف المقاربة إلى الكشف عن طبيعية عملية التحول الديمقراطي، ودالك من خلال إلقاء الضوء على مختلف أبعادها التي تتجاوز النطاق السياسي لتشمل كل المتغيرات الاقتصادية و الثقافية.

وتطرح المقاربة مجموعة من التساؤلات يرتبط بعضها بالمحاولات المعاصرة للتأصيل المفاهيمي للتحول خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين كل من الليبرالية السياسية و الاقتصادية من ناحية، و التحول الديمقراطي من ناحية أخرى، و تبحث في مدى مساهمة الليبرالية السياسية في حفز عملية التحول، و ما هو تأثير الإصلاحات الاقتصادية و التغيرات الهيكلية على مسار هذه العملية؟ و هل تؤثر نوعية آليات و استراتيجيات التحول التي يتخيرها الفاعلون السياسيون في هذا الصدد؟ و ما مدى إمكانية الحديث عن صيغة عالمية لاستراتيجيات التحول الديمقراطي؟ و ما هي طبيعة المشاكل و الصعوبات التي يمكن أن تقود إلى انتكاسات في التجارب الديمقراطية؟ و ما هي طبيعة و نطاق دور الدولة في العالم الثالث خلال مرحلة التحول؟ و ما مدى فاعلية مؤسسات المجتمع المدني في مواجهة هذا الدور؟ 

ترى الباحثة في انتشار ظاهرة التحول الديمقراطي في كثير من دول العالم الثالث دلالة قاطعة على قدرة المنظومة الديمقراطية الليبرالية على الانتشار والاستمرارية بوصفها نظاما يسوده نوع من التنافسية السلمية بين كل من الأفراد والجماعات المنظمة في إطار توسيع نطاق المشاركة السياسية و الاستناد إلى انتخابات دورية و توفر أكبر قدر من الحريات السياسية و المدنية. و عليه فإن الديمقراطية الليبرالية و بعدها الاقتصادي المتمثل في الفكر الرأسمالي بالنسبة للباحثة هو التوجه المستقبلي لمعظم دول العالم. ومن ثم وجوب تحليل الأوضاع التي يمكن أن تسهم في حفز هذه الديمقراطيات من خلال صياغة بعض المعايير لترسيخ هذا التحول و الحرص على صياغة تعريف متكامل للديمقراطية التي لم تعد تعني توسيع نطاق الحقوق السياسية فحسب، و إنما أضحت تشمل تقوية السلطة الشعبية لتحقيق كل من الرفاهية الاقتصادية و الاجتماعية.

و يمكن تقصي أهم مسلمات مقاربة التحول الديمقراطي، و التي لها تأثير على استقرار النظم الديمقراطية في دول العالم الثالث من خلال النقاط التالية:

1. الإدراك العام لأهمية توفر شرعية تستند إلى القبول الشعبي و فاعلية تميز أداء النظام السياسي.

2. وجود منظومة قيمية تعكس ثقافة سياسية تسهم في تحجيم الصراعات المحتملة بين كل من الحكام و المحكومين و تحد من استخدام العنف في ظل علاقة تنافسية غير صراعية.

3. مواءمة الهياكل الاجتماعية و السياسية للتغيرات الاقتصادية بما يجنب النظام التعرض لمزيد من الضغوط و عدم الاستقرار الذي يمكن أن يعيق عملية التحول الديمقراطي.

4. السماح بدور للمنظمات المستقلة في مواجهة الدول، خاصة فيما يتعلق بممارسة القوة السياسية إلى جانب عمليات التجنيد السياسي.

5. مدى مركزية أو إنتشار كل من السلطة السياسية و الإدارية.

6. التفاعل بين كل من الدولة و المجتمع في ظل علاقة تعاون تسمح للدولة بتنفيذ برامجها التنموية والقيام بالتوزيع العادل للموارد و الحفاظ على النظام دون اللجوء إلى الوسائل القهرية.

7. وجود دور للفاعلين الخارجيين على كل من الصعيد الدبلوماسي، الاقتصادي و العسكري. 

مما تقدم يمكن استشفاف ثلاثة أبعاد أساسية تقوم عليها مقاربة التحول الديمقراطي، بعد بنيوي وآخر مؤسساتي وبعد ثالث يتناول استراتيجيات الفاعلين على المستوى الداخلي والخارجي، كما أن المقاربة تقترح ثلاثة مراحل للتحول الديمقراطي، تبدأ بزوال النظم التسلطية يتبعها ظهور ديمقراطيات حديثة تسعى إلى ترسيخ نظمها.

وتعكس عملية التحول الديمقراطي الى إعادة توزيع القوة بحيث يتضاءل نصيب الدولة لحساب المجتمع المدني الذي يضمن نوع من التوازن بين كل من الدولة والمجتمع، وقد أولت المقاربة أهمية خاصة لهذا التوازن وذلك في ظل صعوبة وجود مجتمع مدني فاعل مع غياب دولة قوية.

وترى الباحثة أن المرحلة الإنتقالية –المرحلة الثانية من مسار التحول الديمقراطي- هي أكثر المراحل خطورة نظرا لإمكانية تعرض النظام الديمقراطي للإنتكاسة، حيث يكون النظام في هذه المرحلة ذو طبيعة مختلطة وتتعايش فيه كل من مؤسسات النظام القديم والحديث، ويشارك كل من ذوي الاتجاهات السلطوية والديمقراطية في إدارة السلطة سواء عن طريق الصراع أو الإتفاق، ولذلك فإن في هذه المرحلة تتم صياغة أساليب وقواعد حل الصراعات بطرق سلمية وتنتهي هذه المرحلة مع وضع دستور ديمقراطي وعقد انتخابات حرة توسع نطاق المشاركة. 

إن تجاوز المرحلة الإنتقالية، لا يعني استقرار النظام الديمقراطي ورسوخه، فقد تتهدده الانقلابات العسكرية وبعض أعمال العنف، ولذلك فإن حث النخب على الإتفاق حول قواعد اللعبة الديمقراطية وتأكيد دور المؤسسات يمثل أهم ركائز عملية الرسوخ الديمقراطي التي تعتبر ثالث مرحلة من مراحل التحول الديمقراطي.

وتوعز المقاربة مسألة تحفيز التحول الديمقراطي إلى سببين رئيسيين هما:

1 - العوامل الداخلية :

وتتمثل في انهيار شرعية النظام التسلطي، نتيجة عجزه في إيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية، ورفضه السماح بقدر من الحريات والمشاركة، إضافة إلى تنامي سلطة المجتمع المدني. فالنمو الاقتصادي والتصنيع وارتفاع نسبة التحضر يؤدي إلى تقوية جماعات المصالح والتنظيمات التطوعية في مواجهة النظم التسلطية. كما أن الإهتمام بالتعليم وارتفاع مستوى المعيشة أكدا للمواطن أهمية و ضرورة التحول إلى الديمقراطية وزوداه بالمهارات والمعرفة وبالحوافز المعنوية لمتابعة الإصلاحات الديمقراطية. 

2- العوامل الخارجية :

بالرغم من الإهتمام البالغ الذي أولته المقاربة للعوامل الداخلية، إلا أنها لم تغفل العوامل الخارجية من خلال رصد عدد من المساعدات والمعونات من قبل بعض التنظيمات الدولية لإضعاف النظم التسلطية. وقد ارتبطت هذه المعونات بشروط تمثلت في الالتزام بالتعددية السياسية والليبرالية الاقتصادية لما يمكن أن ينتج عنها من تعدد لمراكز القوى على كل من الصعيدين السياسي والإقتصادي وبما يسمح من وجود ثقل مضاد لسلطة الدولة.
 
الحلقة الثالثة : استراتيجيات التحول الديمقراطي 

قد يصعب كثيرا تحديد صيغة بعينها لتحقيق عملية التحول نحو الديمقراطية. فمن الدارسين من يقترح صيغة عالمية و منهم من يركز على دور الفاعلين السياسيين إلى آخرين يرون بأن استقرار الديمقراطية نادرا ما يتحقق في دول العالم الثالث عبر وسائل إصلاحية أو حلول توفيقية دون الاختيار العقلاني للبدائل المؤسسية وتحديد كل من الأسلوب والتوقيت والمسار المناسب لبدء عملية التحول وخلق الإجماع حوله.

أ‌- الاستراتيجية المؤسساتية:

وعلى نفس الصعيد يرفض البعد المؤسسي استخدام العنف مع التأكيد بأن إرساء الديمقراطية عبر الثورة الجماهيرية التي تلجأ إلى اقتلاع النظام التسلطي من الصعوبة بمكان. وعليه فإن الصيغة المناسبة للتحول يمكن أن تتم عبر اتفاقات ومساومات بين أطراف النخبة السياسية ذاتها تقود إلى صياغة عدد من القواعد الجديدة التي تضمن التعايش السياسي بين أهم الفاعلين السياسيين، وذلك من خلال موازنة بين كل من المعارضة والحكومة. وعلى هذا تم صياغة سيناريو للتحول الديمقراطي يقوم على التدرج والاعتدال والحلول التوفيقية وضرورة الأخذ بعين الاعتبار عدم المساس بحقوق ملكية الفئات البرجوازية ومصالح المؤسسة العسكرية. 

كما سبق وأن أشرنا، فإن هناك استراتيجيات عدة لإطلاق مسار التحول الديمقراطي. من أهمها الإستراتيجية المؤسسية، التي تهدف إلى محاولة التعرف على الهياكل المؤسسية المناسبة للتحول، إلى جانب تلك التي تسهم في استقرار الديمقراطيات. وأنه لا بد من أن تتلاءم المؤسسات والإستراتيجيات مع الظروف البيئية القائمة بما فيها العوامل الخارجية، وهنا يبرز دور القيادة في صياغة هذه الإستراتيجية لإدراكها البدائل المتاحة واختيار ما يدعم منها التحول. وذلك من خلال إستحداث دساتير ديمقراطية من أجل المضي نحو مزيد من التحول الديمقراطي. وهنا تثار مسألة شكل الحكم وأسلوب الإنتخاب وبالرغم من أن النظام البرلماني والتمثيل النسبي هما الأنسب في مواجهة التباينات الإثنية وتوفيرهما لمناخ مؤسسي أكثر مرونة ومواءمة. إلا أن فاعلية النموذج الديمقراطي تتحدد أساسا وفقا للتاريخ السياسي للدولة ومدى تنوعها الإثني والعرقي وكذا النمط الاجتماعي والاقتصادي لها. وعلى ذلك فإن مسؤولية اختيار البدائل المؤسسية في دول العالم الثالث تقع على عاتق القيادات. 

ب‌- استراتيجية الاصلاح السياسي والتكييف الهيكلي

إلى جانب الإستراتيجية المؤسسية، هناك الإستراتيجية التي تعتمد الإصلاح السياسي والتكييف الهيكلي وتنظر إلى التفاعلات السياسية على أنها عملية لتخصيص الموارد النادرة، أي أن معالم التحول الديمقراطي تتحدد بالأساس وفقا للعلاقات والتفاعلات بين كل من العوامل الاقتصادية والسياسية. وبالرغم من أن معظم الدراسات لم تتوصل إلى بلورة دور واضح المعالم للعوامل الاقتصادية، إلا أنها تؤكد على وجود صلة بين الإصلاحات الاقتصادية ورسوخ الديمقراطية وأن استمرار واستقرار هذه الأخيرة مرتبط إلى حد كبير بالأداء الاقتصادي.

وفي هذا الإطار ركز  صاموئيل هنتجتون على ضرورة تحسين مستوى الأداء الاقتصادي لمواجهة الأزمات الاقتصادية وأن الحاجة إلى الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية تأتي لتحسين الوضع الاقتصادي بعد الأزمة وأن النموذج الليبرالي من الأهمية بمكان في تجسيد هذه الإصلاحات، شريطة أن يتبناها المجتمع من خلال مشاورات موسعة، عبر قنوات المؤسسات النيابية والإنتخابات، فهي وحدها الكفيلة بتجنيب النظام عواقب إجراء التكيفات الهيكلية، الشيء الذي تفتقر إليه دول العالم الثالث في صناعة القرار بخصوص السياسة الاقتصادية.
وإجمالا يمكن القول أن معظم الدراسات حرصت على تأكيد مقولة أن الليبرالية الاقتصادية القائمة على اقتصاد راسخ يمكن أ ن تخلق قوى اجتماعية قادرة على تحجيم الأنظمة التسلطية، وأنها تقود إلى تعددية سياسية تسمح بإيجاد ثقل مضاد لسلطة الدولة. بقي أنه لم تثبت تجارب دول العالم الثالث أنه بإمكان القطاع الخاص القيام بدور نشط بحيث يمثل تحديا لسلطة الدولة.

وترتبط فترة الإنتقال من الاقتصاد الموجه إلى الاقتصاد الحر ببروز مؤشرات عدم العدالة بما يمكن أن يقود إلى العنف واللاستقرار. وأن انعدام العدالة الاجتماعية قد تقود إلى تركيز مصادر القوة في يد نخبة تبسط هيمنتها على النظام السياسي مما يؤدي إلى تحديد نطاق المشاركة السياسية واقتصارها على الطبقة العليا في المجتمع، إلى جانب خلقها لجو من الإحباط الاجتماعي والتوتر، والمزيد من اللاستقرار. كما أن ارتفاع نسبة كل من مستوى الفقر وانعدام التوزيعية يمثلان بالضرورة أحد المعوقات الرئيسية للتحول الديمقراطي.
وخلاصة القول فإن النمو الاقتصادي والعدالة التوزيعية، وإن لم يضمنا إرساء الديمقراطية، إلا أنهما يتيحان المجال أمام ظهور قوى اجتماعية، خاصة من بين أفراد الطبقة الوسطى، قادرة على التحفيز نحو مزيد من التحول الديمقراطي.

بعد اطلاعنا على إستراتيجيتي المؤسسات والاقتصاد السياسي في إحداث التحول الديمقراطي، بقي أن نعرف ما هو دور الحكومات الأجنبية والوكالات الدولية في تكريس هذا المسار، وقد جاءت الأدبيات في هذا الصدد مؤكدة على أن تدخل هذه الجهات يكون من خلال المساعدات الاقتصادية وباتخاذ الإجراءات والقواعد التالية:

1- توجيه المساعدات لدعم التعددية واستقلالية التنظيمات وانسياب المعلومات، وذلك استنادا إلى أن أي نشاط يسهم في حفز استقلالية التنظيمات الشعبية يمكن أن يضاعف من فرص التحول الديمقراطي.

2- تشجيع الجهود المبذولة لدعم المؤسسات ودعم سلطة القانون، دعم ومساندة منظمات حقوق الإنسان لبعض الفئات المتظلمة.

3- إسهام صندوق النقد الدولي ووكالة التنمية الدولية في تمويل بعض المجالات التي من شأنها دفع التحول الديمقراطي.

4- فرض العقوبات، تخفيف أعباء الديون كوسيلة ضغط على الحكومات التسلطية وتشجيع الديمقراطيات الناشئة.
الحلقة الرابعة: استراتيجية الثقافة السياسية 

لقد كان مفهوم الثقافة السياسية احد المفاهيم التقليدية في حقل السياسة المقارنة خلال الخمسينيات والستينات من القرن العشرين ، ثم تراجع الاهتمام الاكاديمي بالمفهوم خلال السبعينات ، ولكن منذ الثمانينات عاد الاهتمام بالمفهوم مجددا ، وذلك في اطار موجة التحول الديمقراطي التي تواصلت حلقاتها خلال الربع الاخير من القرن العشرين على نحو ما سبق ذكره ، حيث اهتم بعض الباحثين باعادة الاعتبار لمفهوم الثقافة السياسية ، بصفته مفهوما رئيسيا في دراسة ابعاد موجة التحول الديمقراطي المشار اليها وتحليله ، خاصة وان ترسيخ النظام الديمقراطي يتطلب الى جانب عناصر اخرى شيوع ثقافة سياسية ديمقراطية على صعيد المجتمع. اما بخصوص النظم السياسية العربية ، فقد ظهرت خلال التسعينات مجموعة من الدراسات اتخذت مفهوم الثقافة السياسية مدخلا لدراسة التعددية السياسية والتحول الديمقراطي . 

وقد تناولت هذه الدراسات جملة من القضايا والموضوعات مثل : مصادر الثقافة السياسية ، وبنيتها ، وعوامل الاستمرارية والتغير فيها ، كما اهتمت بتحليل التقافة السياسية لفئات اجتماعية معينة مثل المراة والشباب والفلاحين واعظاء بعض التنظيمات الاسلامية ، فضلا عن تناول ادوار بعض المؤسسات والاجهزة مثل الاسرة والمدرسة والجامعة والحزب ووسائل الاعلام وغيرها في عملية التنشئة السياسية والاجتماعية .
والنتيجة الاساسية التي خلصت اليها معظم هذه الدراسات هي ان الثقافة السياسية في الوطن العربي ، تعتبر عاملا اساسيا في تكريس ظاهرة التسلط والاستبداد وعرقلة التحول الديمقراطي ، حيث انها تتضمن قيما غير ديمقراطية او لا تتلائم مع الديمقراطية ، خاصة وان عملية التنشئة السياسية والاجتماعية التي يتعرض لها المواطن العربي عبر مختلف مراحل حياته يغلب عليها الطابع التسلطي ، مما يجعلها تكرس هذه القيم لديه . وعلى الرغم من محاولة البعض التقليل من اهمية عنصر الثقافة السياسية في تفسير استمرار ظاهرة التسلط وتعثر التحول الديمراطي في المنطقة العربية ، الا ان الاتجاه الغالب في الادبيات السابقة يقول بعكس ذلك ، خاصة وان هذا الاتجاه يؤكد ان هناك ظواهر معوقة للديمقراطية لا يمكن تفسيرها بمعزل عن طبيعة الثقافة السياسية ، ومنها على سبيل المثال عدم تجذر مفهوم الديمقراطية لدى التيارات الفكرية والسياسية الرئيسية في الوطن العربي ، سواء على صعيد الفكر او الممارسة . وتتمثل التيارات المعنية في : التيار القومي والتيار الماركسي والتيارالاسلامي والتيار الليبرالي ، وعلى الرغم من وجود بعض المحاولات لتجديد في رؤى هذه التيارات اتجاه قضية الديمقراطية ، الا ان تاثير ذلك لا يزال محدودا الى غاية الان . وقد اسهم ذلك في تكريس حالة عدم وجود حد ادنى من الاتفاق حول مفهوم الديمقراطية داخل الاقطار العربية . وثم ظاهرة اخرى وثيقة الصلة بالثقافة السياسية وتؤثر سلبا على عملية التحول الديمقراطي ، وهي ان الديمقراطية لا تمثل مطلبا اجتماعيا شعبيا في الوطن العربي في الوقت الراهن ، أي هي قضية نخبة وليست قضية مجتمع ، وهذه النتيجة اكدتها دراسات عديدة ، من بينها دراسات ميدانية اجريت خلال التسعينات سواء على مستوى دول عربية بعينها مثل مصر والاردن او غيرها . ونظرا لذلك فان عملياعادة بناء الثقافة السياسية للوطن العربي والتي تتضمن الى جانب عناصر اخرى تاسيس مفهوم الديمقراطية بما يتضمنه من قيم ومعايير في وعي المواطن العربي بحيث يصبح هناك قبول شبه عام للديمقراطية ، واحترام لقوعدها وادراك لاهميتها وجدواها باعتبارها تمثل اطارا ملائما لحل الصراعات والخلافا تباساليب سلمية ولصياغة حلول فعالة للمشكلات الحادة والمتزامنة التي تعاني منها الدول العربية ، هذه العملية تسهم في تعزيز القوى الديمقراطية وتمثل احد العناصر الحاكمة لمستبل التحول الديمقراطي في الوطن العربي . 




المحور الثاني : مسار التحول الديمقراطي في الجزائر : منظور ثقافي


سنحاول الاستناد إلى المدخل الثقافي في تحليل ومناقشة مسار التحول الديمقراطي في الجزائر، وسنتتبع تطور النسق الثقافي عبر المراحل التي مر بها النظام السياسي الجزائري منذ فترة الحزب الواحد إلى غاية تبني المجتمع الجزائري لخيار المصالحة الوطنية.

الحلقة الخامسة : الثقافة السياسية في ظل الحزب الواحد

تتعدد وتتنوع مصادر الثقافة السياسية الجزائرية، فهي تتشكل من  المؤثرات الجغرافية، التفاعلات التاريخية، المحددات الحضارية، والسياقات الاقتصادية - الاجتماعية والخيارات السياسية لمرحلة الأحادية الحزبية.

1- المكونات

  تمتلك الجزائر موقعا جغرافيا استراتيجيا مميزا، وذلك باعتبار موقعها ألمغاربي ومكانتها على الصعيدين العربي الإسلامي و الإفريقي المتوسطي.  إضافة إلى انخراطها في الحياة السياسية الدولية بشكل فيه كثير من الحماسة والفعالية.  هذه الحيوية  جعلت منها وجودا حضاريا يتمتع بأعلى درجات الوعي التاريخي. 

ليست الجغرافيا وحدها التي شكلت ميزات الأمة الجزائرية الثقافية والحضارية. بل إن الجزائريين، وعبر تاريخهم، الذي لا يمكن فصله عن تاريخ المغرب ككل، قد تميزوا بحبهم للحرية والاستقلال، ورفضهم للجور والتمييز، ولم يمكّن تعاقب الغزاة المحتلين على أرضهم من إخضاعهم.   لكنهم  بالرغم من تميزهم كأفراد بخصائص نفسية ودينية عالية، وتوفرهم على كثير من الفضائل والاستعدادات الفطرية الطيبة.  فإنهم لم يمارسوها بشكل إيجابي، بحيث تتحول إلى دواعي للتجمع، وإلى دلائل للوعي المولد للمؤسسات السياسية والأنظمة الاجتماعية، ولم تؤهلهم إلى بلورة وعي سياسي وطني للدفاع عن بلادهم. واكتفائهم بانتفاضة قبائل مقدامة أو شخصيات كبيرة، وهو ما قد يفسر أن الجزائر أنجبت أبطال حرب وتحرير أكثر من أبطال بناء و حضارة. وأن التحديات كانت دائما تبدوا للجزائريين أكثر جاذبية من الدعوة إلى الانخراط في أعمال ومشاريع تتطلب الجهد والنفس الطويل والاعتماد على المثابرة والانضباط والانسجام. 

لقد اكتفى الجزائريون خلال قرون من الزمان بنوع من الحكم الذاتي على مستوى "العرش" أو " الدشرة "، القائم على أساس بعض الفضائل الأخلاقية "كالجماعة" و "التويزة". وفشلوا في بناء مجتمع كلي،  وتحقيق الوثبة النوعية التي تنقلهم من الفردي إلى الجماعي، ومن البداوة والترحال إلى الحضارة والمدنية ومن القبيلة إلى الأمة. ولعل السبب في هذا الفشل هو تلك الممارسات العنصرية والتمييز الذي مارسته الدول الاستعمارية التي أقيمت على أرض الجزائر، والتي عملت على تهميش و إهانة  الجزائري، ونهب خيراته، بحيث لم يبق في مخيلته سوى تلك الفكرة السلبية عن الدولة، والتي تحولت مع الزمن إلى عداء غريزي وكره مزمن لكل ما يدعوا إلى الانضباط والقانون، وأنتجت حساسية مفرطة عند الجزائريين واستعدادا للثورة على كل مظلمة وجور وتحولت إلى قيمة ثابتة وخاصية نفسية تطبعهم. 

وبمجيء الإسلام، وهو الحدث الثقافي والروحي والاجتماعي الأهم في تاريخ الجزائر والذي اكتسبت معه مقومات هويتها من عقيدة إسلامية ولغة عربية وطابع مميز من العادات والتقاليد انتقل الجزائريون إلى وضعية جديدة أكثر طمأنينة وأمنا، فغاب التدخل الأجنبي من عالم المتوسط وزال التشتت والتمزق الذي خلفه العهد البيزنطي وما قبله، فانسجمت الوحدة الجغرافية والتاريخية للإقليم مع الوحدة السياسية والدينية واللغوية ولكن سرعان ما عاودت النزعة الانفصالية والاستقلالية إلى الظهور عبر الزعامات المحلية والإقليمية، وإن كانت في إطار الإسلام. ومن ثم بقي الجزائريون معزولون عن النقاشات الكبرى التي دارت بمنطقة المتوسط، والتي أنتجت دولا حديثة ومتحضرة. 

هذه بصفة عامة الحالة المعنوية والإجتماعية التي وصل بها وعليها الإنسان الجزائري إلى القرن العشرين. وهذا هو رسم التركيبة الذهنية الذي خلفته التفاعلات والأحداث التاريخية إلى أن جاءت ثورة نوفمبر 1954 وهي من دون شك أكبر عملية جماعية وأحسن فعل مشترك قام به الجزائريون في الوقت نفسه وفي كامل التراب الوطني. وبصناعته لتلك الثورة، صنع الشعب الجزائري في الحقيقة ذاته؛  ولذلك أصبحت الثورة تمثل له اليوم أكبر مرجع له بعد الفتح الإسلامي.

مثلت اللغة العربية والدين الإسلامي، الأساس الأول لمقومات المجتمع الجزائري الثقافية والحضارية والسمة الغالبة التي تطبع الصراع الحضاري بين المشروعين الإسلامي والتغريبي وظلت هذه الثقافة تمثل أهم قنوات التنشئة الاجتماعية و السياسية التي صقلت توجهات الفرد ثقافيا وتربويا فأصبحت  بذلك أهم المصادر للثقافة السياسية التي تسود المجتمع الجزائري. فالإسلام الذي يعتبر بمثابة الوعاء الذي انصهرت فيه المثل الاجتماعية والمقومات الخلقية التي ضمنت للمجتمع كيانه الروحي، قد أدى دورا قياديا في تغذية الشخصية الوطنية و تقوية الدافع الثوري ضد الاستعمار.  فهو الذي صاغ  مفردات هوية الثورة الجزائرية، وشكل أحد الأسس الأيدلوجية للنظام السياسي الجزائري بعد الاستقلال. فقد حاولت جبهة التحرير الوطني احتكاره، بوصفه المرجعية الرمزية الأساسية وصمام الوحدة الوطنية. ومزاوجته مع الطرح الماركسي الذي جردته من ماديته.  لتشكل منهما إيديولوجية لبناء المشروع الوطني، ورفض كل التناقضات الاجتماعية. 

و تعتبر اللغة العربية ثاني أهم دعامة للشخصية الجزائرية، ورغم ما تعرضت له أثناء فترة الاحتلال الفرنسي، إلا أن الشعب ظل متمسكا بها، حتى في المناطق التي يتخاطب سكانها بالأمازيغية، ويعود الفضل في ذلك إلى جهود الجمعيات والزوايا والكتاتيب الملحقة بالمساجد في القرى والمداشر. وباسترجاع البلاد لاستقلالها، كان من الضروري أن تسترجع اللغة العربية مكانتها،  سواء في المؤسسات التعليمية أو في هياكل الدولة. 

 مثلت الاشتراكية بالنسبة لنظام الحكم في الجزائر خيارا لا رجعة فيه  وإطارا تتم داخله كل عمليات البناء الوطني و مواكبة التنمية الشاملة والتحول الاجتماعي، ومن ثم فإن الدولة الاشتراكية، ومن خلال ما تملك من مؤسسات، هي الوحيدة التي يقع على عاتقها مهمة تغيير شروط الوجود الاجتماعي للفرد وعليه فإن الخيار الاشتراكي يمنح الدولة حق الرعاية التامة على المجتمع فهي التي تخطط الاحتياجات الاجتماعية وتعقلن إشباعها وتأسس لنمط التعبير وتحدد شروط الوعي. 

وإذا كانت الظروف التاريخية ومقتضيات حرب التحرير، قد بررت إنفراد حزب جبهة التحرير الوطني لقيادة الثورة على قاعدة "أن الوحدة الوطنية هي القوة الأساسية للثورة"، فإن الجبهة نجحت في أن تسحب هذا الواقع على مرحلة ما بعد الثورة، وهذه المرة على قاعدة "أن الحزب الواحد ضرورة من أجل تعزيز الوحدة الوطنية وتعبئة الموارد من أجل معركة التنمية"،  وتحييد القوى المناهضة للاشتراكية، بحيث أن تعدد الأحزاب لا يخدم إلا البرجوازية ومجموعات الضغط الأجنبية. 

2 - طبيعة الثقافة السياسية في ظل الحزب الواحد:

عرف النظام السياسي الجزائري شكلين من الثقافة ا لسياسية في ظل التوجه الاشتراكي والأحادية الحزبية، ففي المرحلة الأولى سادته ثقافة سياسية ضيقة، همش فيها الشعب، وامتثل لمخرجات النظام  الذي احتكرت سلطة قراره نخبة من العسكريين (مجلس الثورة )، بسبب الأمية المتفشية في أوساط المجتمع وقهر المعارضة السياسية وإقصائها. وانتهاج سياسية التوافقات الفعلية بدلا عن التنافس، واعتماد تعبئة جماهيرية واسعة تكون شكليا مصدرا للشرعية وأداة للهيمنة من قبل الفئات المسيطرة. أما المرحلة الثانية الممتدة من مطلع الثمانينيات إلى غاية أحداث أكتوبر 1988 فقد طبعت بثقافة سياسية تابعة؛  ذلك أن مؤسسة الرئاسة وبحكم نزعتها الليبرالية، لم تبق سياسة القبضة الحديدية التي مورست في الفترة الأولى، فازدهرت كثيرا من القوى المعارضة خاصة منها الإسلامية والبربرية،  بالإضافة إلى تحسن مستوى التعليم وإدراك كثير من شرائح الشعب حجم الرهانات والتحديات التي يواجهها المجتمع الجزائري، لكن الخوف من القمع والممارسات البوليسية كانت تحول دون التعبير عنها والمطالبة بالحلول المناسبة لها. إلى أن بلغ الاحتقان الشعبي مداه  بسب الفشل في السياسات التنموية وسوء توزيع الثروة وتنامي صراع الأجنحة في أعلى هرم السلطة. 

3-: الثقافة السياسية من خلال مواقف النظام:

حسمت النخب الحاكمة في النظام السياسي الجزائري خياراتها السياسية القائمة على الوطنية التي لا تحتمل التنوع العرقي ولا الديني الأخلاقي، ومن ثم فهي  تتعامل مع الأمازيغية على أنها تراث شعبي وفلكلور لا علاقة له بالرمزية الوطنية ولا علاقة له بالهوية الوطنية مما أنتج إحساسا بالغربة والتهميش لدى مواطني المناطق القبائلية. اللذين بدأوا برفع مطالبهم اللغوية والثقافية بشكل واضح مع بداية الثمانينيات، وفرضوا أنفسهم كقوة سياسية واجتماعية فعلية وإن لم يعترف بهم النظام، وتطورت نضالا تهم إلى أن بلغت حد  المواجهة، و تجدر الإشارة هنا إلى الدور المشبوه الذي تلعبه فرنسا في دعم القضية البربرية. وقد تزايدت جهود الهيئات والتنظيمات الممثلة لسكان هذه المناطق إلتفافا حول قضيتهم ومطالبة النظام بالاعتراف بالأمازيغية كأحد مقومات الشخصية الوطنية، وفسح المجال أمام الحريات الفردية والعامة وتحقيق مزيد من التنمية والديمقراطية. 
إلى جانب القضية  الأمازيغية، هناك مسألة العلاقة بين الدين الإسلامي والحياة السياسية فرغم اتفاق جميع الجزائريين  وتأكيدهم على أن الإسلام وحدة أساسية في البناء الثقافي الجزائري إلا أن الاختلاف حول دوره السياسي كان جليا، خاصة بين أصحاب النزعة الشيوعية التي ترى في الإسلام إيديولوجية شمولية يجب محاصرتها داخل المسجد، وإبعادها تماما من الساحة السياسية والاجتماعية وحتى الثقافية. وبين أصحاب الطرح الوطني الاشتراكي وهم أصحاب القرار الرسمي وهم يعتبرون الإسلام أحد أهم المقومات الثقافية في الجزائر لكنهم يؤكدون على تبني النهج الاشتراكي العلمي في تنظيم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وفريق ثالث يرى أن للإسلام دور أساسي في الحياة السياسية، ويطالب بأولوية المرجعية الإسلامية في صياغة مشروع المجتمع ووضع منظومته القانونية، وقد تعاملت النخب الحاكمة مع التيار الإسلامي بازدواجية، فتارة تعمل على توظيفه لخدمة مراميهم السياسية في تحجيم دور اليسار، أو لتجاوز بعض الأزمات على طريق بناء الدولة الوطنية الجامعة، وتارة يعمل على قمعهم واستهدافهم بحملات اعتقال واسعة كما حدث في بداية حكم الرئيس شاذلي بن جديد حين اعتلى سدة الحكم. 


لقد تمحورت القيم السياسية في الجزائر في ظل الأحادية على أساس فكرة الاحتكار وارتكزت على منهجية الإقصاء والتهميش. والنظر إلى الدولة على أنها المسئولة عن تقديم الخدمات، والمحرك الأساسي لعملية التصنيع، والراعي لحقوق المواطن، وأنها عامل إصلاح وتغيير للمجتمع، فلا مجال للاختلاف معها ولا يمكن مناقشة سياساتها. فغرق بذالك صوت الأحرار أصحاب الرأي المخالف، وأصيب الغيورين منهم بالإحباط واليأس. وربما غرست في نفوسهم بذور التطرف والعنف، وانهارت  لدى الجزائريين قيم الاجتهاد والإبداع والتعبير الحر وقد ساهم هذا الوضع في تعزيز الاحتقان الذي وجد في انتفاضة أكتوبر متنفسا عبرت من خلاله النخب والجماهير عن عميق التذمر والأسى الذي عاشوه.
الحفقة السادسة  : دستور 89 والتأسيس لثقافة سياسية مشاركة:

مع انهيار النظام التسلطي، بدا وكأن الشعب الجزائري أصبح مصدرا لكل سلطة، وأنه حر في اختيار ممثليه. وفي هذا الإطار نص دستور 89 على أن كامل الحقوق والحريات مضمونة للمواطن، كما أكد على حقه في اللجوء إلى القضاء ، وضمان المساواة أمامه. و مكن الهيئات القضائية من مراقبة الانتخابات وحماية اختيار الشعب. ومكن المواطن من التعبير عن أفكاره بكل حرية ونشر آراءه  عبر الوسائل المختلفة.  


ولإبراز النقلة التي أشرنا إليها نذكر بالتطورات التي عرفها قطاع الصحافة المكتوبة بعد اعتماد قانون الإعلام، حيث ارتفع عدد الصحف من 49 عنوانا إلى 119 عنوانا، ومن  06 يوميات إلى 27 يومية تسحب أكثر من 900000 نسخة. وينظر لمساهمة الإعلام في إطلاق الحريات على أنها حصيلة نضال وكفاح طويلين. قاومت خلاله الصحافة كل الجهات التي سعت إلى إسكات وتوظيف الرأي الحر المستقل. فقد قاومت الانهزامية والشمولية، وأدت مهمة وطنية نبيلة. سواء في تنوير الرأي العام، الذي انبهر بقوة التدفقات الإعلامية التي أتاحاها قانون الإعلام،  أو في مقاومة الأزمة الدامية التي عرفتها الجزائر بعد 92 وراح ضحيتها مئات الصحفيين. لقد سمح دستور 89  من تجاوز الكثير من المواقف التي كان يتبناها النظام السياسي الجزائري من بعض المسائل كالأمازيغية والإسلام السياسي، والحريات ودور المعارضة، لكن الأزمة التي عصفت بالبلاد على اثر إلغاء انتخابات 26 ديسمبر  1991 أربكت التجربة وحادت بها في اتجاه التأسيس  لثقافة سياسية ملأها الحقد والكراهية.  

الحلقة السابعة  : العنف وثقافة الإستئصال

لقد ولد ت رغبة النخب الحاكمة في قمع واجتثاث الجماعات الإسلامية المسلحة من جهة، و طموح مناضلي الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الإطاحة بالنظام وإقامة دولة إسلامية من جهة أخرى،  ثقافة سياسية ملأها الحقد والكراهية، وسعي كل طرق إلى استئصال الطرف الآخر والنيل منه بأي وسيلة أتيحت واستغرق كل منهما جهده في ذلك فكانت الحصيلة ثقيلة عدت بمئات الآلاف من القتلى وعشرات المليارات من الدولارات خسائر تكبدها الاقتصاد الوطني، بالإضافة إلى الصدمة الاجتماعية وخسارة الدولة الجزائرية سمعتها في المحافل الدولية. وأمام هذا الانحدار، نتساءل عن المصادر التي غذت هذا العنف، وما هي المحاور التي دارت حولها الأزمة ؟

1-: مصادر العنف السياسي في جزائر الأزمة:

يمكن رصد ثلاثة مصادر أساسية للعنف السياسي في الجزائر في فترة  التسعينيات. الأول ويتعلق برفض النخبة الحاكمة  لمبدأ التداول على السلطة، الثاني هو رغبة الجزائريين في إحداث القطيعة مع ممارسات النظام التسلطي و التي تحولت إلى ثورة شعبية  تطالب بالحرية والمساواة، ثالث هذه المصادر هو ضعف الوعي السياسي وفشوا التخلف الديني لدى الجماعات الإسلامية التي لا تتوفر على المرونة اللازمة لإدارة الخلافات والنزاعات، والتمسك بالأحكام المطلقة دون فقه للواقع والمرحلة، ودون مراعاة ما تتطلبه الممارسة الديمقراطية وحرية التعبير. 

ا-:العنف كنتيجة لرفض التداول على السلطة:

تعتبر مؤسسة الجيش الدعامة الأساسية للنخب الحاكمة. وتوظف لما تتوفر عليه من قوة وقدرة و شرعية تاريخية، على ضبط المعارضين والتحكم في المشهد السياسي. كما أن هذه النخب تسعى حين تتوفر الموارد إلى تلبية احتياجات المجتمع من جهة، وتحقيق مصالح الجماعات المؤيدة لها من جهة أخرى. لكن و مع منتصف الثمانينات شحت مدا خيل الدولة بسبب انخفاض أسعار النفط، وتزايد عدد السكان وبدأت شرعية النظام في التآكل وأجنحة السلطة في التصارع وانخفض أداء المؤسسات الإنتاجية ولم تستوعب السلطة المتغيرات الدولية  فدخل الإسلاميون كجماعة تطرح نفسها بديلا عن النظام المتعثر الذي لم يبق له إلا الجيش كمورد سياسي يحافظ به على السلطة من شراهة الإسلاميين، الذين فازوا بأول انتخابات تعددية فلم تستسغ النخبة الحاكمة نتيجة الامتحان، وألغت نتائج الانتخابات، وقام الجيش بقمع المحتجين المحبطين وانشطرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى جماعات تبنى معظمها العنف المسلح بحجة رد "الصائل" واسترجاع الحقوق واشتعلت نار الحرب الأهلية.  

ب-:العنف كنتيجة عن القطيعة:

تشترط النخب الحاكمة في الجزائر، وإن أبدت تمسكها بالديمقراطية والحريات، الاستمرار في كونها مركز النظام وجوهره. فالديمقراطية بالنسبة لهم ليست سوى تبريرا لعملية الانفتاح الاقتصادي، أي خصخصة القطاع العام، ولم تكن لديهم أية محفزات لإطلاق مسار التحول الديمقراطي في الجزائر، سوى إعادة إنتاج النظام في ثوب مؤسساتي جديد يستجيب للمتغيرات الدولية الحاصلة وضمان استمرارهم في لعب الأدوار الأساسية فيه. هذه الإستراتيجية المتناقضة والتي عوض أن تسعى لإيجاد حلول لأزمة النظام ضمن قواعده التي تشكل منطق  الأحادية والاحتكار، سعت للبحث عن حلول، لحالة الانهيار التي عرفها النظام مع أواخر الثمانينيات، في إطار منطق التعددية الذي لا تؤمن به أصلا. فعوض أن تسير أزمتها حاولت التستر خلف ديمقراطية شكلية توهمت معه المعارضة أن الفرصة قد حانت لاستلام السلطة. 

لقد قدرت النخب الحاكمة، أن توسيع قاعدة الحكم  بإدماج المعارضة والسماح لبعض أصحاب الأفكار والإيديولوجيات بالتعبير عن أنفسهم، يكفي لضمان عملية التكيف مع المستجدات الداخلية والخارجية. ونسوا أن معارضيهم خاصة الإسلاميين منهم لهم نفس التصور للسلطة فهي لكليهما ليست فضاء عاما مفتوحا لكل المواطنين. ولهذا السبب فإن كل محاولات الحوار التي جرت منذ بداية الأزمة لم تفض إلى شيء، لأن الوصول إلى اتفاق سيكون حتما لطرف على حساب الطرف على الآخر. 

لقد سعت إستراتيجية الحوار الوطني بقيادة الرئيس ليمين زروال على توسيع دائرة النخبة الحاكمة من خلال إدماج التيار الإسلامي المعتدل، لكن المحاولة عبرت في النهاية على أنها استمرار للاحتكار بهيئة تعددية، فاستعصت عملية اتخاذ القرار بسبب الاختلافات الكثيرة التي انتهت باستقالة الرئيس، هذا مع التأكيد  بأن جزءا كبيرا من الإسلاميين رفضوا المشاركة في هذا المسعى الذي لا يسيطرون عليه، واعتقادهم بأنهم هم من يمثل إرادة الشعب، وهم أصحاب الحق والفائزين بالإنتخابات، ومن ثم صمموا على مواصلة العنف وتبنيه دفاعا -حسب اعتقادهم- عن حقوقهم المشروعة

ج-:العنف كنتيجة لنفي الاختلاف السياسي:

قد نحتاج لفهم ظاهرة العنف في الجزائر إلى الرجوع إلى الأسس الإيديولوجية التي قام عليها نظام الحكم في الجزائر بعد الاستقلال، وحتى أثناء الثورة التحريرية، وأبرز هذه الأسس نفي الاختلاف السياسي ورفضه فالنظام السياسي الجزائري يقوم على مبدأ وحدة السلطة، ووحدة الدولة والمجتمع، بالإضافة إلى تبنيه النهج الاشتراكي الذي يستبعد التعدد في الآراء خاصة في المجال السياسي . هذا النهج الذي التزمه النظام أفقد المجتمع هويته الاجتماعية والسياسية وحول الشعب إلى قطيع تابع لإرادة الدولة. وعندما بدأت هذه الأخيرة تعجز عن الاستجابة إلى مطالبهم المتنامية بسبب تراجع أسعار النفط،  وتزايد أعداد السكان وضعف الآلة الإنتاجية، بدأ التذمر والسخط الجماهيري، في هذه اللحظة ظهرت الحركة الإسلامية، وعلى رأسها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، والتي بلورت خطابا سياسيا يركز على جور وظلم الحكام، وسوء تسييرهم لموارد الدولة، وتدعوهم من خلال خطاب ديني، إلى تبني المشروع الإسلامي القائم على العدالة والمساواة، ورفع الغبن على الكادحين من الشعب. ولأن الجبهة الإسلامية للإنقاذ، جعلت من المساجد مراكز للدعاية والتوجيه وسخرت لذلك الأئمة والدعاة، فإن الجزائريين المستضعفين استأنسوا بهم وأيقنوا أنهم ليسوا وحدهم في مواجهة هذا التهميش. وتغيرت نظرتهم إلى الحياة، فهم ليسوا محكومين يسعون إلى تحقيق مطالبهم من عند الدولة، بل إنهم مؤمنين يسعون إلى إقامة الشريعة، فارتبطت أرواح الملايين منهم بهذا الرباط الاجتماعي الجديد، وتفجرت فيهم روح التضامن، وأصبح لحياتهم معنى بعدما كانوا لا يرون الحياة إلا من خلال جبهة التحرير الوطني والدولة. وأكدت ذلك نتائج الانتخابات سواء المحلية جوان 1990 أو التشريعية ديسمبر 1991، التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ والتي لم تكن تؤمن بالديمقراطية كنمط لحرية التعبير ولا تطيق الاختلافات الإيديولوجية ولا الاقتصادية ولا حتى الاجتماعية. وبذلك أعيد إنتاج مبدأ نفي الخلافات الذي قامت عليه جبهة التحرير الوطني وحكمت به البلاد لأكثر من خمس وعشرين سنة. لقد  قرأت نتائج الانتخابات في ديسمبر 1991 على أنها رفض شعبي لتوظيف المعارضة وإدماجها داخل مؤسسات شكلية والمطالبة بالمضي في العملية الديمقراطية، بوصفها مطية، لاستلام الحكم الذي لا مجال فيه للاختلاف والتعدد. فكان حتميا أن تقع المواجهة وكانت أفضل وسيلة لإدارتها هي استعمال العنف بقصد استئصال واجتثاث الخاسر فيها. 

2-:المحاور الأساسية للعنف:

لقد شكلت بعض القضايا الثقافية والإيديولوجية محاور أساسية للعنف الذي عصف بالجزائر في فترة التسعينيات، وعملت بوصفها بؤرا تتناقض حولها إدراك وتصورات النخب والقيادات داخل المجتمع الجزائري.  فالجدل بين مشروع الدولة الإسلامية من جهة والنظام الجمهوري من جهة أخرى يكاد يكون السبب الرئيسي في الصراع الدامي الذي عرفته الجزائر، جدل آخر قام بين دعاة منظومة التعريب والمنظومة الفرانكفونية وقد ترتب عليه ضرر كبير على مستوى التعليم والتربية وإنتاج القيم والرموز،  كما أن تسييس المسألة الأمازيغية وتوظيفها في إدارة الصراع شكلت جدلا ثالثا دار بين جماعات المصالح النافذين في السلطة ونظرائهم من المحافظين وقد انعكس ذلك سلبا على الاستقرار والسلم الاجتماعي. كما أن جهود الجماعات المسلحة في عولمة الجهاد زاد من تعقيد الصراع في الجزائر حيث استغلت بعض الدوائر الداخلية لتبتز و تساوم القوى و التنظيمات الإسلامية المعتدلة خدمة لأهدافها. هذه هي أهم القيم التي دارت حولها الأزمة، وكلها قضايا تتعلق بالهوية الوطنية للجزائريين، الشيئ الذي زاد  من حساسيتها  وخطورتها.

أ-:جدلية الدولة الإسلامية والنظام الجمهوري:


لقد فات الجزائريين تحديد شكل الحكم الذي يريدون عندما فكروا في الانتقال من الحزب الواحد إلى التعددية، فالإسلاميون بالإضافة إلى افتقارهم إلى مشروع واضح المعالم، أخافوا جميع الأطراف المشاركة في العملية السياسية، فهم يتبنون الطرح الديمقراطي فقط للوصول إلى السلطة. في المقابل نجد ارتباك القوى العلمانية المعزولة شعبيا والتي تتبنى الطرح الديمقراطي لكنها ترفض الإسلاميين كشريك الحكم.


إن الإسلاميين الذين نقصدهم في بحثنا هم أولئك المتشبثين بالصور النمطية للحياة الإسلامية كما عاشها أسلافنا، والذين يعتبرون أنفسهم طليعة تدافع عن الهوية الإسلامية ضد المشروع الغربي. وبأساليب تميل إلى العنف والرفض الراديكالي ودون استيعاب الأوضاع الداخلية والتهديدات الخارجية في مطالبتهم بإقامة الدولة الإسلامية. أنهم تعبير سياسي للإحباط الذي أصاب المجتمع الجزائري من جراء فشل المشروع التنموي وإقامة الدولة الوطنية، والذين يمثلون كذلك حالة الخوف من دخول عصر الحداثة والتنمية، ويرفضون كثيرا من القيم العالمية النبيلة على افتراض أنها قيم يستخدمها الغرب بقيادة أمريكا وأوربا لإخضاع العالم الإسلامي والعربي كالديمقراطية وحقوق الإنسان، وحريات التعبير والتعددية؟

في مقابل هؤلاء المتشددين، نجد فريقا استحوذ على مراكز هامة في الدولة والإعلام ويسعى بعض غلاته إلى محاربة واستئصال كل ما هو عربي وإسلامي، وهذا الفريق هو نتاج الإستعمار الفرنسي الذي حاول طوال فترة تواجده على أرض الجزائر مسخ الهوية الوطنية وبناء دعائم الثقافة الفرنسية، وربط كل أشكال الترقي والحراك الاجتماعي والاقتصادي والالتحاق بوظائف الدولة العليا بمدى استيعاب وتمثل القيم والثقافة الفرنسية، وقد استمرت هذه التأثيرات بعد الإستقلال من خلال خريجي ما عرف "بالمدارس العليا" الذين صاروا هم الوزراء والسفراء ورؤساء أجهزة الدولة وضباطها لعقود طويلة. 

وبعد أن اضطر النظام السياسي في الجزائر، إلى مجارات التحولات العالمية وإطلاق شيء من الحرية الداخلية سارع هؤلاء إلى قطع الطريق أمام أي كان خارج ناديهم. وخاصة إذا كان الفائز إسلاما. فقد هددوا الدولة في مظاهرات  يوم فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ وشكلوا لذلك لجنة إنقاذ الجزائر التي ترفض الإعتراف بنتائج الانتخابات، لا لشيء إلا لأنها في غير صالحهم الإيديولوجي فهم ديمقراطيون بلا ديمقراطية.

ب-:معركة التعريب:

بدأ الصرع في جزائر الاستقلال مبكرا بين التيار العروبي  وأنصار التيار الفرانكفوني  حول قضية التعريب، التي أخذت  بعدا إيديولوجيا انعكس على الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الجزائري؛ حيث استطاعت النخب الفرانكفونية النافذة أن نستحوذ كل ما هو اقتصادي و مالي وتوكل تسييره إلى إطاراتها.  تاركة ما اعتقدته غير مؤثر في القرار الوطني  للنخب المعربة التي تركزت في قطاعات التربية والتعليم، وقد ولد هذا التقسيم للعمل في الجزائر والقائم على أساس لغوي جدلا اجتماعيا خطيرا،  تحولت  معه النخب المعربة إلى مواطنين من درجة ثانية. 

وفي مطلع الثمانينيات تم  تعريب قطاع التعليم العالي، وهو آخر حصون المجموعات الفرانكفونية، التي اخذت تتراجع لصالح  التيار العروبي على مستوى أجهزة الدولة. وتبنت قياداتهم  المسألة الأمازيغية لعرقلة سياسة التعريب التي أصبحت تهدد وجودهم. واستثمرت في الإعلام من خلال الحملات  الدعائية للتشهير بالمدرسة الأساسية وتلصق  صفه البعثيين بالقائمين عليها وتتهمها بإنتاج الرجعية والتخلف وأنها المحضن الذي تربى فيه الإرهابيون.
وقد استغلت المجموعات الفرانكفونية الظروف غير العادية، ومرروا قانونا يجمد استعمال اللغة العربية الذي أقره المجلس الشعبي الوطني سابقا إشباعا لنزعتهم الإيديولوجية وانتقاما من لغة الشعب الذي أهانهم في الانتخابات. وقد ألغى المجلس الوطني الانتقالي هذه الإجراءات من خلال إقراره  قانون تعميم اللغة العربية يوم 17 سبتمبر 1996، وقد أثارت هذه الخطوة حركات احتجاجية بتحريض من أطراف فرنسية. 

ج-:تسييس القضية الأمازيغية:

عمل الاستعمار الفرنسي على تغذية الاختلاف بين البربر وبقية المناطق الجزائرية، وقد أنشأ لذلك الأكاديمية البربرية في باريس 1967، وحاولت فرنسا تسييس هذه القضية لخلق لوبي يسعى للإبقاء على الثقافة الفرنسية في الجزائر.

وقد عرفت القضية البربرية، كبقية القضايا الحساسة في الجزائر مثل التعريب والحريات السياسية والحركة الإسلامية تضييقا من السلطة الحاكمة بسبب التوجه الاشتراكي والحزب الواحد ومع اعتماد دستور 23 فيفري 1989 أخذت الحركات البربرية - من خلال  نشاطاتها –

 تثبت وجودها كهوية بربرية جزائرية.  وتشير بعض التحاليل إلى أن الأطراف الفرانكو شيوعية هي التي تعمل على تسييس القضية الامازيغية  لمواجهة مد التعريب في الجزائر. وقد عرفت سنة 1995 نوعا من الانفراج عندما  أنشأت السلطة ما عرف بالمحافظة السامية للأمازيغية التي رأى فيها مناضلو الحركة البربرية مجرد هيئة سياسية إدارية،  وكثفوا جهودهم في اتجاه اعتماد اللغة الأمازيغية كأحد مكونات الهوية الوطنية، وإدراجها في الدستور. 

الحلقة الثامنة :  ثقافة السلم و المصالحة

لقد تسببت ثقافة العنف والاستئصال في حصد أرواح مئات الآلاف من الجزائريين        و حطمت أركان اقتصادهم، و شوهت صورة بلدهم و قطعت أوصال مجتمعهم.  و كان لا بد من هبة تحسم أمر هذه الفتنة و تتكفل بتبعاتها.   فلم يكن الوئام المدني سوى خطوة أولى تهدف إلى تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة التي تمكن من رأب الصدع الذي فرق بين أجيال الوطن الواحد. لقد دشنت المصالحة الوطنية مرحلة جديدة،  بمنظومة ثقافية جديدة عنوانها الصفح الجميل وتسودها قيم السلم والتضامن، وبناء الثقة وحماية المشروع الديمقراطي.  وإعادة بناء الوفاق بين الجزائريين أيا ما كانت مشاربهم و مناهلهم، و ضمان الأمن و الأمان للجميع،  وهي تعني كذالك مصالحة رسمية و سياسية بين الجزائريين، و تعبئة جميع الأطراف في سبيل تجديد وطني يكون كفيلا من خلال إصلاح الدولة، و إعادة تنظيم الساحة السياسية، و الإصلاحات الهيكلية  بالقضاء على الأسباب التي أدت إلى انفجار الأزمة، و بإنشاء علاقات اجتماعية جديدة". فهي تكاتف الجميع حول بناء مشروع مجتمع يقوم  على فكرة الحل الشامل للأزمة الوطنية باجتثاث جذورها   و القضاء على مسبباتها و معالجة أثارها، و على فكرة تطوير سياسات قيادة المجتمع الجزائري على أسس الحكم الصالح و الديمقراطية و التنمية الوطنية الشاملة و العدالة الاجتماعية الكاملة   و توفير عوامل قوة الدولة الجزائرية و هيبتها في كل المجالات، و لبيان ذالك سنحاول استعراض أهم الأبعاد المشكلة لها.و للمصالحة الوطنية التي تبنتها الجزائر أبعادا متعددة تنوعت بحسب المشكلات الجزائرية.

1-:البعد الأمني للمصالحة الوطنية:

 إن المصالحة الوطنية من هذا المنظور هي السعي إلى وقف الاقتتال، و إنهاء حالة الحرب المستعرة بين الجزائريين، و نزع فتيل الفتنة بين الأطراف المتصارعة و إقناعهم بأن لا غالب و لا مغلوب. و تأتي مبادرة السلم و المصالحة الوطنية كتتويج لسلسلة من المحاولات التي قام بها النظام السياسي الجزائري لاحتواء الأزمة التي اختزلت المجتمع الجزائري في صراع دام بين أمراء الدولة الإسلامية و "جنرالات السياسة و المال. 

لقد استطاعت قيادة المرحلة الجديدة، أن تجعل من الوئام المدني و المصالحة الوطنية نقطة تحول في تخلي الكثيرين عن السلاح و العودة إلى الحياة الطبيعية مما يعطي الجزائر فرصة لإعادة هيكلة ساحتها السياسية بما يتلاءم و متطلبات المرحلة بعيدا عن المزايدات حول الثوابت الوطنية، و الاهتمام أكثر ببناء دولة القانون القادرة على حفظ السلم و الأمن في إطار قيم المجتمع الجزائري.

2-: البعد السياسي للمصالحة الوطنية.

سعت منظومة المصالحة إلى تكريس قيمة سياسية جديدة  تنطلق من حاجة الجزائريين إلى الكثير من الوقت لكي يقتنعوا بأن عناصر الهوية الوطنية، والتي اتخذتها القوى الاجتماعية الجزائرية محورا لنضالها السياسي، لابد أن تتكامل لتشكل وحدة واحدة منسجمة، و أن ذالك شرطا ضروريا لا يمكن تجاوزه قبل ممارسة الديمقراطية، كما أنهم في حاجة إلى تطبع طويل على العيش الجماعي، و العمل الجماعي و المبادرة الجماعية، قبل أن يصلوا إلى ذلك الطور الذي يؤدي فيه تناقض الأطروحات إلى نشوب الاقتتال. و في هذا الصدد سعت السلطة إلى ترقية الائتلاف الحكومي إلى تحالف سياسي بدافع بناء الجماعة الوطنية، حيث رأت الأحزاب المشكلة لهذا التحالف أن بناء الديمقراطية تحتاج إلى أمن سياسي و استقرار. كما أن مكاسب الوئام المدني     و المصالحة الوطنية، و التطورات الاقتصادية و الاجتماعية الحاصلة في الفترة بعد 1999 تحتاج إلى حماية مادام الاتجاه صحيحا. 
و على هذا الأساس شهدت الجزائر ميلاد هذا التحالف السياسي 16 فيفري 2004 الذي يهدف إلى ترقية العمل المشترك من اجل تعزيز استقرار البلاد، و تراكم التجربة، و مكافحة الإرهاب و عدم الخلط بينه و بين الإسلام و بينه و بين حق الشعوب في الكفاح ضد الاستعمار   و الدفاع عن الوحدة الوطنية أرضا وشعبا و كذا الهوية الوطنية بأبعادها الثلاثة و دعم المواقف الجزائرية على المستوى الدولي، و تعميق الإصلاحات السياسية والاقتصادية و الاجتماعية في إطار القيم الوطنية.

3-: البعد الثقافي و الحضاري للمصالحة الوطنية:

حاولت المصالحة الوطنية  في بعدها الثقافي و الحضاري بلورة نظرة وسطية جامعة ركزت على التصالح مع الماضي و التصالح مع عالمنا المعاصر، و حرصت على أن تفهم ثورة نوفمبر على أنها تتويج لانبعاث الجزائر و دخولها واقع العصر الجديد. لقد حاولت فكرة المصالحة الوطنية  أن  تعيد صياغة الهوية الوطنية ضمن رؤية تحمل أكثر فأكثر رموزا حضارية و ثقافية بعيدة عن هوس التطرف بكل أشكاله، فالجزائر كحقيقية تاريخية كل لا يتجزأ، و مراحلها المتداخلة هي التي صقلت الهوية الوطنية بمقوماتها المتعددة. 
وفي هذا الإطار أكد النظام السياسي الجزائري على إعادة الاعتبار للبعد الأمازيغي كأحد مكونات الهوية الوطنية، و ذالك من خلال ترسيمها في الدستور. ومن ثم العزم على إبعاد كل مكونات  الهوية الوطنية من محاولات التسييس و إعادة الاعتبار لكل عناصرها.

4-: البعد الاقتصادي و الاجتماعي للمصالحة الوطنية:

تتضمن ثقافة المصالحة الوطنية بعدا اقتصاديا يعمل على توحيد النظرة إلى المؤسسات الاقتصادية الجزائرية وتطبيع العلاقة بين القطاع الخاص كقيمة ليبرالية فرضتها المتغيرات الدولية والقطاع العام كموروث عن التوجهات الاشتراكية التي عرفتها البلاد في زمن الأحادية الحزبية. والنظر إلى التنمية الاقتصادية على أنها حصيلة الأمن والاستقرار، وأن السلم  سيبقى هش دون التنمية الاقتصادية، ومهدد بأشكال أخرى من التعبير عن العنف الاجتماعي.  كما أنه لا يمكن الحديث عن السلم الاجتماعي والوئام المدني، دون العمل في نفس الوقت ضد الفقر وضد تعميق الشروخ الاجتماعية وضد البطالة وأزمة السكن.  كما أن البعد الاقتصادي في ثقافة المصالحة الوطنية تضمن  فكرة الانفتاح على المحيط الخارجي، وبناء جسور التعاون مع التكتلات المجاورة والاندماج في الاقتصاد العالمي.  

في ظل هذه التحديات التي يفرضها الواقع الدولي المتحرك وهشاشة الوضع في جزائر ما بعد الأزمة تتوجب قيم التضامن بين أبناء الوطن، وتتأكد قيم العدالة والتوزيع العادل للثروة، ومحاربة الفساد والفقر والابتعاد عن الحسابات الزبائنية و الجهوية واحترام القانون وكل ذالك من اجل تعزيز التماسك الداخلي ونيل احترام المتعامل الأجنبي الذي يحرص على الشفافية والاستقرار.

5-:آفاق المصالحة الوطنية:

من الصعوبة بمكان أن نستشرف مستقبل المصالحة الوطنية، كقيمة مرجعية، في ظل استمرار اختلاف النخب الحاكمة حول مجموعة من القضايا المتعلقة بتداعيات إيقاف المسار الانتخابي مطلع التسعينات، وفي ظل بحثهم عن حلول لاستمرار سيطرتهم على الحكم، لكنها تنسجم والنتائج الايجابية للوضع الأمني للبلاد، ومتطلبات التحول نحو الديمقراطية المفروض خارجيا.   فقانون المصالحة الوطنية المادة 26 يقضي بان يمنع قادة الإنقاذ التاريخيين من ممارسة حقوقهم المدنية والسياسية، وحرص هؤلاء على العودة إلى المشهد السياسي وحضورهم المستمر من خلال نشاطاتهم ومواقفهم  من مختلف القضايا،  مسالة تحتاج إلى حوار جدي  يعزز مكتسبات النظام في المجال الأمني.  فمن المرجح أن تتعاط السلطة بشكل ايجابي مع هذه الطروحات؛ خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها البلاد، وتعبر عنها المحاولات اليائسة للشباب الجزائري من خلال جماعات الهجرة غير الشرعية وانتشار الجريمة وأخبار الفساد واستمرار بعض أعمال العنف.

وقد يتوقف مستقبل المصالحة الوطنية على قدرة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من لعب دور الموازن بين طرفي المسألة الأمنية، وقد تتوفر الفرصة أمامه بشكل أوسع إذا ما أعيد انتخابه لعهدة ثالثة لتسوية ملف الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحلة بشكل نهائي، فمن غير المعقول ان نتكلم على المصالحة الوطنية ونقصي أجزاء من المجتمع كما يذهب إلى ذلك الكثير من الشخصيات السياسية والوطنية، إن الاستمرار في الاعتراض على مسعى المصالحة الوطنية من طرف بعض النخب وبعض التنظيمات هو في الحقيقة اعتراض على إعادة بناء الوحدة الوطنية على قاعدة تعدد الانتماءات الإيديولوجية ومن شأنه أن يغذي التطرف بكل أنواعه ويأتي على كل المكتسبات التي حققها النظام إلى حد الساعة في ظل القيادة الجديدة مما يدفع نحو العودة إلى المربع الأول  الاضطراب الأمني والعزلة الدولية، وهو في تقديري ما سيرفضه الشعب الجزائري وكل قياداته المقتنعة بان مسارا السلم هو الطريق الأسلم والأصوب.




خاتمة : 

في الأخير و بالرغم من أن  النظام السياسي الجزائري، في الفترة لما بعد إلغاء المسار الانتخابي عرف اضطرابا كبيرا، أفرز أشكالا من العنف والتطرف ومحاولات لحسم وتسوية الصراع السياسي والثقافي والاجتماعي بطرق جد متطرفة. و بالرغم  من سواد ثقافة النهب والاستغلال وعدم المسؤولية وغياب الدولة. و بالرغم من الدعوة  والرجوع و إلى أفكار وأنماط من التنظيم الاجتماعي دون الدولة(حركة العروش) و إقحام عناصر الهوية الوطنية في قلب التنازع السياسي مما هدد سلامة النسيج الاجتماعي وأمن اللحمة الوطنية.  بالرغم من كل  هذا فإن الفوضى والخراب اللذان سادا في عشرية الأزمة،  كانا يؤسسان لموقف وسط معتدل، حيث أنه مع طول زمن الصراع وتعاظم عدد الضحايا واستحكام الحصار الدولي الذي ضرب على الجزائر، اقتنع جميع الفر قاء أنه لا مناص من التصالح والوئام وإخراج عناصر الهوية من الصراع والاعتراف لبعضهم البعض بحق المواطنة، فأبعدت العناصر المتطرفة من كلا الفريقين المتنازعين (الاستئصاليون من العلمانيين والإسلاميين على السواء)، فاختفت في مرحلة ما بعد 1999  أحزاب وجرائد و رجال كانوا عناصر استفزاز للأخر، ومنع من النشاط مناضلو الأحزاب المتطرفة، وهنا إشارة إلى كل من حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي توارى عن المشهد السياسي واختفت معه جريدة لوماتان والتي لم يكن لها هم إلا مهاجمة الإسلاميين وما يمت اليهم بصلة، كما توارى بعض رموز الاستئصال من أمثال الجنرال محمد العماري والشريف فضيل وغيرهم من قادة التوجه الإستئصالى، وفي المقابل منع النشاط من قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وتكاد تمنع بالمرة قواعدهم من المساهمة في القوائم الانتخابية، في حين تشكلت تحالفات جديدة ضمت أفكارا وبرامج كانت تبدوا متناقصة كعنوان لمرحلة جديدة يتعايش ويتسامح فيها الجزائريون بكل أطيافهم، وسويت القضية الأمازيغية بحيث لم تعد تشكل محورا للنضال بالنسبة لأبناء منطقة القبائل فقد وضعها التعديل الدستوري في المكان الذي يجب أن تكون فيه، ومن ثم إخراجها من اللعبة السياسية أو تكاد.


كما استطاعت القيادة الجديدة أن تفرض اهتمامات جديدة على النشطاء السياسيين والاقتصاديين  ابتعدت بهم عن الإيديولوجية والتعصب الفكري وإحالتهم إلى ثقافة البناء وإصلاح الدولة ومصداقية التمثيل في المؤسسات، فقل الحديث عن التزوير والإرهاب وراح المتتبعون للشأن السياسي والاقتصادي ينتقدون انجازات برنامج الرئيس المدعوم من أكبر ثلاثة أحزاب في البلد، وتركزت ملاحظاتهم على الجوانب الاجتماعية و الاقتصادية، وهي بلا شك تحولات ايجابية من حيث الثقافة السياسية.



------------------------------------------
وقد جاءت محاور الملتقى كالتالي :

المحور الاول : التحول الديمقراطي في العالم الثالث: الاشكالية وادوات التحليل
الحلقة الاولى :عرض  اشكالية الملتقى والمفاهيم الاساسية    ص 3
اشكالية الملتقى ص4
المفاهيم الاساسية ص4
الحلقة الثانية: المداخل النظرية                                      ص5
مدخل الاقتصاد السياسي ص11
مدخل العولمة ص13
مدخل التحول الديمقراطي ص14
الحلقة الثالثة : استراتيجيات التحول الديمقراطي                ص14
الاستراتيجية  المؤسساتية ص18
استراتيجية  الاصلاح السياسي والتكييف  الهيكلي ص19
الحلقة الرابعة : استراتيجية الثقافة السياسية                      ص20
المحور الثاني :  مسار التحول الديمقراطي في الجزائر : منظور الثقافة السياسية ص23
الحلقة الخامسة : الثقافة السياسية في ظل الحزب الواحد            ص24
الحلقة السادسة  : دستور 89 والتأسيس لثقافة سياسية مشاركة ص28
الحلقة السابعة  : العنف وثقافة الإستئصال                              ص29
الحلقة الثامنة :  ثقافة السلم و المصالحة                                ص35
خاتمة ص39
المراجع ص42
 
 المراجع الأساسية المعتمدة في المحور الأول :
1- علي الدين هلال، نيفين مسعد، النظم السياسية العربية: قضايا الاستمرار والتغيير، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 2002.
2- نصر محمد عارف، نظريات السياسة المقارنة ومنهجية دراسة النظم السياسة العربية: مقاربة ابستمولوجية، فرجينيا: أنترناشيونال كرا فيكس 1998.
3- حمدي عبد الرحمن، " الاتجاهات الجديدة في دراسة النظم السياسية الإفريقية "مجلة نداء الجنوب، العدد الأول، ديسمبر 2000، القاهرة.
4- هدى ميتيكس،"الاتجاهات المعاصرة في دراسة النظم السياسية في دول العالم الثالث"، في على الدين هلال و محمود إسماعيل محمد، اتجاهات حديثة في علم السياسة، القاهرة: منشورات اللجنة العلمية للعلوم السياسية و الإدارة العامة، 1999.
5- خير الدين حسيب و (آخرون)، مستقبل الأمة العربية: التحديات و الخيارات (التقرير النهائي في مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي )، بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية، ط 2، 2002.
6- كمال المنوفي، أصول النظم السياسية المقارنة، الكويت: شركة الربيعان للنشر والتوزيع ،1987.
7- صامويل هنتينقتون(ترجمة عبد الوهاب علوب)، الموجة الثالثة: التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين، القاهرة: دار سعاد الصباح، 1993.
8- منظمة العمل العربية، مؤتمر العمل العربي: الدورة الحادية و العشرون، (البند العاشر: برنامج الإصلاح الاقتصادي و إعادة الهيكلة و انعكاساتها على قضايا العمل و منها المفاوضات الاجتماعية و عقود العمل المشتركة)، القاهرة: منشورات المنظمة، 1994.
9- صالح ياسر حسن، "الليبرالية، الخوصصة: برامج التكييف الهيكلي بين أوهام الخطاب الإيديولوجي و حقائق إعادة إنتاج التبعية"، مجلة العلوم الإنسانية، العدد 12/1999.
10- حمداني، "المشروع المجتمعي والدولة الوطنية في الجزائر"(رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية، بكلية العلوم السياسية والإعلام جامعة الجزائر، 2001).
11- Jean – william LA PIERRE, L'analyse des systèmes politiques, Paris: Presse Universitaire de France, 1973,
12- Wendell BELL, Foundations of futures studies, England: transaction publishers, 1997
13- prentice-hall  Michael Roskin, ( and others) Political Science: An Introduction, London,
مراجع المحور الثاني :
1- محمد الهادي لعروق، أطلس الجزائر و العالم، الجزائر: دار الهدى (دتن).
2- محمد العربي ولد خليفة، النظام العالمي ماذا تغير فيه ؟ وأين نحن من تحولاته، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 1998.
3- مصطفى لأشرف(ترجمة حنفي بن عيسى)، الجزائر: الأمة والمجتمع، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1983.
4- نور الدين بوكروح، الجزائر الجديدة، برنامج حزب التجديد الجزائري، رئاسيات 1995.
5- ناصر الدين سعيدوني، الجزائر: منطلقات وآفاق، الجزائر: دار الغرب الإسلامي، (دتن).
6- بوعزيز، مع تاريخ الجزائر: في الملتقيات الوطنية والدولية، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، ( د.ت.ن ).
7- محمد السويدي، مقدمة في دراسة المجتمع الجزائري: تحليل سوسيولوجي لأهم مظاهر التغير في المجتمع المعاصر،  الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 1990.
8- حزب جبهة التحرير الوطني، ملف السياسة الثقافية، الجزائر: مطبعة بن بولعيد، 1982.
9- عبد اللطيف الهرماسي،  الدولة والتنمية في المغرب العربي: تونس نموذجا، تونس: سراش لنشر، 1993.
10- عنصر العياشي،  سوسيولوجيا الديمقراطية والتمرد في الجزائر، القاهرة: دار الأمين للطباعة والنشر، 1999.
11- سليمان الرياشي وآخرون، الأزمة الجزائرية، لبنان: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999.
12- أحمد طعيبة،" أزمة التحول الديمقراطي في الجزائر"، (رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير بقسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر دورة 2001).
13- نور الدين زمام، السلطة الحاكمة والخيارات التنموية للمجتمع الجزائري: 1962- 1998، الجزائر: دار الكتاب العربي، 2002.
14- زكي أحمد،" الديمقراطية في الخطاب الإسلامي الحديث والمعاصر"، في مجدي حماد، الحركات الإسلامية والديمقراطية: دراسات في الفكر والممارسة، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992.
15- عبد الباسط دردور، العنف السياسي وأزمة التحول في الجزائر، القاهرة: دار الأمين، 1993.
16- أحمد بن نعمان، الهوية الوطنية: الحقائق والمغالطات، الجزائر: دار الأمة، 1996.
17- محي الدين عميمور، الجزائر الحلم و الكابوس، الجزائر: دار هومة، 2003.
18- حزب جبهة التحرير الوطني، حركة مجتمع السلم، التجمع الوطني الديمقراطي، نص التحالف الرئاسي، الجزائر (فندق الأوراسي) يوم الاثنين 25 ذي الحجة 1424، الموافق لـ 16 فيفري 2004.
19- عبد اللطيف بن أشنهو، عصرنة الجزائر: حصيلة و آفاق، الجزائر: آلفا ديزاتي، 2004.
20- الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، المادة 178 من المرسوم الرئاسي رقم 96-483 مؤرخ في 26 رجب عام 1417، الموافق لـ 07 ديسمبر 1989، المتعلق بإصدار نص تعديل الدستور المصادق عليه في إستفتاء 28 نوفمبر 1996، الجريدة الرسمية، عدد 76، الصادر في 08/12/1996.
21- خطاب رئيس الجمهورية ألقاه أمام الامة في 02 أوت 1999، والذي استدعى خلاله الهيئة الإنتخابية لاستفتاء 16 سبتمبر 1999.
22- عامر رخيلة، التطور السياسي والتنظيمي لحزب جبهة التحرير الوطني :1962-1980، الجزائر:ديوان المطبوعات الجامعية 1993.
23- عبد العالي دبلة، الدولة الجزائرية الحديثة :الاقتصاد والمجتمع والسياسة، دار الفجر للنشر والتوزيع، 2004.
24- George TALIDOROS, la culture politique Arabo-islamique et la naissance du nationalisme Algérien (18-1962), Alger: entreprise nationale du livre, 1985
25- Mohamed Tahar BEN SAADA, le régime politique algérien, Alger: entreprise nationale du livre, 1992
26- Monique GADANT, Islam et nationalisme en Algérie, paris: l'harmattan, 1988
27- Djilali LIABES, ''Projet de société: consensus, domination et légitimité ''. La revue  Algérienne des sciences   politiques et des relations internationales, N°0, 1984
28- Jean LECA, jean- Claude VATIN, l'Algérie politique: Institutions et régime, France Imprimerie Chirat 1975, P
29- Gilles KRASNET"Presse Franco Phone Et Arabophone En Algérie"In Machrek-Maghreb,N°173, Sept 200 73.
lahouari ADDI, "les parties politiques en Algérie et la crise du régime des(grands électeur)",sur
30- www.algeria-watch.org/fr/article/analyse/addi_partis.htm le 07/02/2007

انت الان في اخر مقال

تعليقات